العبودية موجودة في الشقوق المظلمة للاقتصاد العالمي «2 من 3»

|

يمكن أن يحدث الاتجار بالبشر داخل البلد الواحد، إلا أن عبور الحدود سمة مميزة للجريمة في أغلب الحالات. ومن ثم فإن التعاون الدولي لا غنى عنه لمنع الاتجار بالبشر وتقديم المتاجرين بالبشر إلى العدالة. وقد كان للأمم المتحدة قصب السبق عام 2000 حين اعتمدت بروتوكول منع وقمع ومعاقبة المتاجرين بالأشخاص، خاصة النساء والأطفال المعروف باسم بروتوكول باليرمو. واليوم يتقيد 166 بلدا حول العالم بهذا التشريع الدولي الرائد.
ويتضمن بروتوكول باليرمو أول تعريف متفق عليه عالميا للاتجار بالبشر. ويهدف إلى تيسير وضع منهج موحد للجرائم الجنائية المحلية بين البلدان لدعم التعاون الدولي الكفء في التحقيق في هذه الجرائم وملاحقة مرتكبيها قضائيا. ويهدف البروتوكول أيضا إلى حماية ضحايا الاتجار ومساعدتهم. وهذا البروتوكول تدعمه خطة عمل الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الاتجار بالأشخاص، التي أنشئ بموجبها صندوق ائتماني لمساعدة الضحايا ودعمهم.
ومع بلوغ عدد الأشخاص الذين يعيشون في عبودية حديثة نحو مليوني شخص في البلدان الأعضاء في مجلس أوروبا حسب بعض تقديرات "المؤشر العالمي للعبودية لعام 2014، لم يكن بمقدور المجلس الذي تتمثل مهمته الرئيسة في حماية وتعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون أن يتجاهل هذا الانتهاك الكبير لحقوق الإنسان. فقام في عام 2005 باعتماد اتفاقية مجلس أوروبا بشأن إجراءات مكافحة الاتجار بالبشر. ويبلغ عدد البلدان الأوروبية التي تتقيد بهذه الاتفاقية 43 بلدا.
ورغم أن اتفاقية مجلس أوروبا تبنى على بروتوكول باليرمو "وبعض التشريعات المحلية الفعالة" إلا أنها تذهب إلى أبعد مما ذهب إليه البروتوكول في كثير من الجوانب. فهي تركز على حماية ومساعدة ضحايا الاتجار "على سبيل المثال بتقديم إعانات الكفاف، وتمكين الضحايا من الحصول على علاج طبي طارئ، وتعليم الأطفال" وحماية حقوقهم بتوفير المساعدة عن طريق خدمات الترجمة الشفوية والتحريرية وإتاحة المحامين والمشورة القانونية، كما تركز على منع الاتجار بالبشر ومحاكمة المتاجرين بالبشر. ويسمح للدول غير الأوروبية أيضا بتوقيع الاتفاقية، كما فعلت بيلاروس.
وتتضمن اتفاقية مجلس أوروبا لمكافحة الاتجار بالبشر بعض الأحكام التي تعد بعيدة الأثر وتشكل بالفعل مصدرا لإلهام السياسات والتشريعات الوطنية في أوروبا ومختلف بلدان العالم.
وتسري الاتفاقية على جميع أشكال الاتجار الوطني والعابر للحدود الوطنية سواء كان متصلا بالجريمة المنظمة أو لم يتصل بها. وتسري أحكامها سواء كانت الضحية امرأة أو رجلا أو طفلا؛ وأيا كان شكل الاستغلال، وما إذا كانت الضحية تستغل لأغراض جنسية أو السخرة أو الخدمات القسرية.
وهي تلزم الدول بتنفيذ تدابير توفير المساعدة وحماية الضحايا. وتلزم البلدان باتخاذ ما يلزم لإتاحة فترة لا تقل عن 30 يوما للتعافي والتفكير. وخلال هذه الفترة لا يجوز ترحيل الضحايا الموجودين في البلد المعني بصورة غير مشروعة أو المقيمين فيه بتصريح إقامة قصير الأجل. وتتيح هذه الحماية للضحايا التعافي بعيدا عن تأثير المتاجرين بالبشر حتى يتمكنوا من اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن التعاون مع السلطات.
ولتثبيط الاتجار بالبشر والحد من الطلب، تجرم أحكام الاتفاقية كل من يستخدم خدمات الضحايا. ويبنى ذلك على عدد آخر من التدابير الوقائية، مثل التوعية والتثقيف. ويجب على البلدان أيضا أن تتأكد من عدم معاقبة الضحايا على أنشطة غير قانونية أرغموا على ارتكابها. يأتي الضحايا في الأغلب من بلدان ذات أوضاع اقتصادية ضعيفة، بما في ذلك البطالة المرتفعة. وأخيرا تتضمن الاتفاقية حق الضحايا في تعويضات يدفعها الجناة أو الدولة.
وأنشأت اتفاقية مجلس أوروبا آلية مستقلة للرصد "فريق الخبراء المعني بالعمل لمكافحة الاتجار بالبشر"، تقوم دوريا بتقييم الدول التي تتقيد بالاتفاقية لضمان الامتثال لأحكامها. وبالفعل يقوم الفريق عن طريق الدفع باتجاه إحداث تغييرات قانونية أو مؤسسية أو تحسين السياسات المعنية بمكافحة الاتجار وزيادة تكاملها، بإحداث فرق لملايين الضحايا.
وتقوم منظمات دولية أخرى أيضا بأنشطة حثيثة لمنع الاتجار بالبشر. فقد اعتمدت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا عام 2003 خطة العمل لمكافحة الاتجار بالبشر. وتتضمن هذه الخطة التي جرى توسيعها عام 2013 تدابير لمساعدة البلدان على تنفيذ التزاماتها بمكافحة الاتجار بالبشر وآلية للمتابعة تعزز التنسيق بين الدول، سواء داخل بلدان منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أو المنظمات الدولية الأخرى. وتعتمد الخطة شأنها في ذلك شأن المعاهدات الواردة أعلاه منهجا متعدد الأبعاد لمكافحة ومنع الاتجار بالبشر، وحماية الضحايا، ومنع الاتجار بالبشر، ومقاضاة الأشخاص الذين ييسرون هذه الجريمة أو يرتكبونها.
وعلى المستوى الإقليمي، أصدر الاتحاد الأوروبي توجيها عام 2011 بشأن منع ومكافحة الاتجار بالبشر وحماية الضحايا يهدف إلى تنسيق تعريف الجريمة والعقوبات المتصلة بها. ويتضمن أحكاما لحماية الضحايا ومساعدتهم ودعمهم، وأحكاما لمنع الجريمة وتحسين مراقبة وتقييم جهود الاتحاد الأوروبي في هذا المجال.
وفي أمريكا اللاتينية حيث يقدر عدد الأشخاص الذين يعيشون في العبودية الحديثة بنحو مليون شخص حسب "المؤشر العالمي للعبودية لعام 2014"، اعتمدت منظمة الدول الأمريكية خطة عمل جديدة في كانون الأول (ديسمبر) 2014 لمكافحة الاتجار بالبشر. وتهدف هذه الخطة إلى تشجيع التنفيذ الكامل لبروتوكول باليرمو؛ وتعزيز التعاون والتنسيق المشتركين بين الهيئات على المستويات الثنائية والإقليمية والدولية بين أعضائها والمنظمات الدولية، وتحسين عمل الهيئات الحكومية التي تتعامل مع الاتجار بالبشر. وتسعى الخطة إلى الحد من قابلية التعرض لمخاطر الاتجار بالبشر، وتدريب المهنيين والمؤسسات والمنظمات المشاركة في مكافحة الاتجار بالبشر، وتوزيع تقارير عن سبل مكافحة المشكلة؛ وتعبئة المجتمع لمنع الاتجار بالبشر والتوعية بمخاطره وعواقبه.

إنشرها