الركود الاقتصادي العالمي .. الجميع خاسر

|


لم يعد جديدا الحديث عن ركود اقتصادي عالمي. صحيح أن هذا الركود لا يزال بعيدا بعض الشيء، إلا أن "أدواته" باتت حاضرة على الساحة الدولية، ومؤشراته تظهر تدريجيا، والعلاقات الراهنة بين دول محورية على هذه الساحة تشهد اضطرابا مخيفا، ولا توجد أي علامة على تفاهمات بينها قريبة. ناهيك عن المشكلات الاقتصادية في عدد من الدول الكبرى، بما في ذلك مثلا انكماش الاقتصاد الألماني أخيرا، وعدم وضوح الرؤية حيال انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فضلا عن الصراعات الجيوسياسية هنا وهناك. وهناك كثير من العوامل المباشرة لإمكانية حدوث ركود عالمي في المستقبل القريب، من بينها أيضا ارتفاع حجم الديون السيادية، حيث بلغت في دولة كبريطانيا 85 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي. وفي اليابان تتجاوز الناتج المحلي كله.
لكن تبقى الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، العامل الأهم لإمكانية حدوث الركود المشار إليه. لماذا؟ لأنها تستعر بصورة مقلقة، ولأن المفاوضات التي جمعت الطرفين لم تؤد إلى شيء طوال أكثر من عامين، بل على العكس، شهدت هذه المدة فرض رسوم جمركية إضافية من جانب واشنطن على السلع الصينية، لتقوم بكين بالشيء ذاته مع السلع الأمريكية. والرسوم الأمريكية التي شملت قبل شهرين عددا محددا من السلع الصينية، ستكون مختلفة في الخطوة الثانية، حيث ستفرض الولايات المتحدة رسوما تشمل كل سلع الصين. بالطبع تستعد هذه الأخيرة للقيام بالشيء نفسه، دون أن ننسى أنها سمحت في الآونة الأخيرة بهبوط قيمة عملتها، الأمر الذي عدته واشنطن بمنزلة خطة حكومية.
أوجاع الاقتصاد العالمي كثيرة لكن علاجها غير متوافر في الوقت الراهن. وهذا ما دفع مصرف "جولدمان ساكس" للتحذير من خطر الركود في الاقتصاد الأمريكي نفسه. وهذا الأخير تعرض بالفعل لضربات جراء الحرب التجارية مع الصين، الأمر الذي ارتفعت معه أصوات المؤسسات الأمريكية نفسها بضرورة التوصل إلى حلول شرعية بين أكبر اقتصادين في العالم. وهذه الحرب التجارية ليست الوحيدة على الساحة، هناك معارك تجارية حقيقية بين الولايات المتحدة و"شركائها" الأوروبيين، وهي مرشحة للتفاقم، خصوصا مع تصلب طرفيها، أيضا، في مواقفهما تجاه الحلول الناجعة لخلافات تجارية لم يكن أحد يتوقع أنها ستظهر إلى الوجود قبل عامين. من هنا، تتفق المؤسسات الاقتصادية العالمية، على أن الاقتصاد العالمي كله يقترب من مخاطر الركود.
الخسائر ستشمل الجميع، وهذا ما يفسر دعوات صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الكبرى، لحل مشكلاتها الاقتصادية بأسرع وقت ممكن. ولأن الاقتصادات الوطنية تعاني التباطؤ، وبعضها يعيش حالة من الركود، أسرعت هذه المؤسسات إلى نشر النصائح هنا وهناك، بأن تقوم الحكومات المعنية بتحفيز اقتصاداتها عن طريق الإبقاء على أسعار الفائدة لديها منخفضة. وهذا ما يحدث بالفعل في معظم دول العالم، لكن دون أن يحقق قفزات نوعية على صعيد التحفيز والنمو. الوضع العام سيئ عالميا، ولا توجد مؤشرات عملية وواقعية تدل على إمكانية أن يتغير المسار، لتجنب الركود المخيف الذي إذا ما حدث بالفعل، فإنه سيحدث بعد أشهر قليلة فقط من إعلان انتهاء تبعات الأزمة الاقتصادية العالمية.
الجميع يخشى ما سيحدث، لكن الجميع أيضا لا يعمل بما فيه الكفاية لمنع انزلاق الاقتصاد العالمي نحو الركود، على الرغم من الآثار السلبية التي تنعكس حاليا على الاقتصادات الوطنية، خصوصا الغربية منها.

إنشرها