FINANCIAL TIMES

رواندا .. شكوك حول معجزة إفريقيا الاقتصادية

في رواندا غير الساحلية، وهي دولة جبلية صغيرة في وسط إفريقيا، أشرف الرئيس القوي، بول كيجامي، على معجزة؛ من رماد إبادة جماعية قتل فيها نحو 800 ألف شخص خلال مائة يوم فقط، بنى كيجامي اقتصادا مزدهرا، وقمع الفساد، وانتشل آلاف الأشخاص من براثن الفقر، كما تشير البيانات الرسمية.
منذ أن أصبح رئيسا للجمهورية في عام 2000، تجاوز معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي 7 في المائة سنويا، وانخفض معدل وفيات الرضع إلى النصف، وارتفع معدل الحصول على التعليم والرعاية الصحية، في المقابل، أصبحت البلاد محبوبة في مجتمع التنمية.
خصص البنك الدولي أكثر من أربعة مليارات دولار للبلاد منذ الإبادة الجماعية في عام 1994، وأيد إصلاحات هيكلية ضخمة في قطاعات منها الصحة والتعليم والزراعة.
على الرغم من أن بعض الحلفاء السابقين في المنفى شككوا في أداء الحكومة الاقتصادي وتصاعدت الانتقادات لتكتيكات كيجامي الاستبدادية، إلا أن دعم البنك الدولي مستمر. في العقد الماضي تم إخراج أحزاب المعارضة من النظام السياسي وجرى اعتقال عشرات المعارضين للنظام أو ماتوا في ظروف مشبوهة.
في عام 2017 انتُخب كيجامي لولاية ثالثة بنسبة 99 في المائة من الأصوات، وفي عام 2018، تمويل البنك الدولي للعاصمة، كيجالي، زاد أكثر من الضعف ليصل إلى رقم قياسي بلغ 545 مليون دولار.
لكن تحليلا أجرته "فاينانشيال تايمز" لإحصائيات حكومية وجد أن تحريفا للبيانات حدث فيما يبدو في مناسبة واحدة على الأقل، ما يثير شكوكا حول قوة المعجزة الاقتصادية المعلنة ونزاهة علاقة رواندا بأكبر جهة مانحة لها على حد سواء.

معدل الفقر
تقول حكومة رواندا "إن معدل الفقر انخفض تدريجيا منذ عام 2001 في هذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه 12 مليون نسمة"، لكن وفقا لتحليل "فاينانشيال تايمز" لبيانات نشرها مكتب الإحصاء الرواندي، زاد معدل الفقر خلال فترة واحدة مهمة على الأقل، الفترة التي سبقت الاستفتاء في عام 2015 الذي سمح لكيجامي بتمديد فترة حكمه التي استمرت 15 عاما في ذلك الحين إلى ما يصل عقدين آخرين.
يقول سياسيو المعارضة "إن مستوى الفقر في البلاد هو جزء من خداع أكبر بكثير حول التقدم الاقتصادي، الذي أصبحت الجهات المانحة، الحريصة على الإشادة برواندا كقصة نجاح، متواطئة فيه".
تقول ديان رويجارا، التي سجنت لمدة 12 شهرا بعد أن تحدت كيجامي في الانتخابات الرئاسية في عام 2017، "تحاول "الحكومة" نقل صورة أننا نتطور حتى تتمكن من إخفاء ما يجري على أرض الواقع، عندما تأتي إلى هنا زائرا، يُوضَع كل شيء في مكانه لإثارة إعجابك، لكن الحقيقة مخفية بشكل جيد، يجب أن تعيشها لتصدقها".
عدد صغير من الأكاديميين تحدوا أول مرة إحصائيات الفقر في رواندا في عام 2015، ما دفع البلاد إلى مراجعة تحليلها في عام 2016، والبنك الدولي إلى نشر استجابته العام الماضي. يقول مختصون مستقلون "إن النتائج التي توصل إليها الأكاديميون ـ بعضها نشرته مجلة "ريفيو أوف آفريكان بوليتكال إيكونومي" Review of African Political Economy ـ مقنعة، لكنها ضاعت وسط قوة رواندا ونفي البنك الدولي الشامل.
مع ذلك، تحليل "فاينانشيال تايمز" لأكثر من 14 ألف نقطة بيانات، إضافة إلى مقابلات مع أكاديميين يظهر أن ارتفاع الأسعار بالنسبة إلى الأسر الرواندية يعني أن الفقر على أكثر تقدير زاد بين عامي 2010 و2014.
رواندا والبنك الدولي رفضا النتائج التي توصلت إليها "فاينانشيال تايمز"، وأصرا على أن حساباتهما صحيحة.
يقول يوسف مورانجوا، المدير العام للمعهد الوطني للإحصاء في رواندا، "أداء رواندا في الحد من الفقر "..." حقيقي بشكل لا لبس فيه"، ويضيف أن "التقدم كان مدعوما بشكل أكبر من الاتجاه الإيجابي في المجالات الأخرى، بما في ذلك الإدماج المالي، وتوسيع الإيرادات الضريبية، ونتائج استطلاعات التركيبة السكانية والصحة في البلاد، لم يكن أي من ذلك ممكنا لو أن الفقر ارتفع فعلا كما يزعم".
نقاد مثل ديفيد هيمبارا، الذي كان رئيس وحدة الاستراتيجية والسياسة في حكومة كيجامي إلى أن هرب من البلاد في عام 2010 بسبب ما يقول إنه كان تردده في تحريف البيانات الرسمية، "يصرون على أن مستويات الفقر هي مجرد رقم واحد من كثير من الأرقام التي تم التلاعب بها في نظام، حيث حتى الإحصائيات يجب أن تتبع نهج الحزب".
يقول هيمبارا، متحدثا من كندا، حيث يعيش في منفى اختياري "كل رقم مهم بالنسبة إلى كيجامي سواء كان سياسيا أو اقتصاديا، هذه هي الطريقة التي يقنع بها الجهات المانحة بعدم النظر إلى قمعه، والتركيز بدلا من ذلك على التنمية الاقتصادية. بإمكان "الجهات المانحة" التظاهر بعدم رؤية الجانب الاستبدادي، لأنه يعد بتحقيق أهداف الاقتصاد، لذلك عليه الاستمرار في إظهار أن الأرقام رائعة".
يعمل المعهد الوطني للإحصاء في رواندا على تقييم مستويات الفقر من خلال استطلاع منتظم للأسر، يسأل عما تستهلكه عينة تمثل الروانديين على أساس سنوي، ثم يقارن المعهد تكاليف تلك السلع بخط الفقر الوطني.
نتيجة الاستطلاع الرابع من هذا النوع نشرت في آب (أغسطس) 2015 في الوقت الذي كان يستعد فيه كيجامي للاستفتاء، كل تقييم منذ عام 2001 سجل انخفاضا في عدد الفقراء في البلاد، وتوقعت الحكومة إحراز تقدم مرة أخرى.
تقرير عام 2015 لم يكن مخيبا للآمال، انخفضت نسبة السكان الذين يعيشون في فقر من 44.9 في المائة عام 2011 إلى 39.1 في المائة عام 2014، كما ذكر التقرير.
لكن تُحدِّيت النتيجة على الفور، قياس مستويات الفقر، مثل حساب المؤشرات الاقتصادية الأخرى، هو عملية معقدة تحتاج إلى افتراضات مختلفة بشأن العوامل تراوح من نوع وقيمة المنتجات التي يستهلكها السكان إلى كيف يمكن أن تتغير الأسعار مع مرور الزمن وحسب المنطقة الجغرافية.
في هذه المناسبة، كان مختصو الإحصاء في رواندا قرروا تحديث مجموعة من السلع المستخدمة لحساب خط الفقر للمرة الأولى منذ عام 2001، قال المعهد الوطني للإحصاء في رواندا "إن التعديل كان ضروريا بسبب التغيرات في طريقة عيش الأشخاص وتناولهم للطعام".

تعديل منهج الحساب
في حين إن البلدان غالبا ما تجري تحديثا لطريقة حساب خط الفقر فيها، إلا أن المعهد الوطني للإحصاء في رواندا لم يجرِ في البداية التعديلات نفسها على نتائج الاستطلاع السابق، ما جعل مقارنة الحكومة مستويات الفقر بين عام 2011 وعام 2014 معيبة، كما قال مختصون مثل فيليب رينتينس الأكاديمي البلجيكي.
استجابة لذلك، أعادت رواندا تحليل نتائج الاستطلاع مرة أخرى في عام 2016، حين نشرت تقريرا جديدا استخدمت فيه مؤشر تكاليف المعيشة لتعديل نتائج دراسة عام 2011 لأسعار عام 2014، والنتيجة، كما قالت رواندا، كانت هي نفسها: معدل الفقر انخفض.
قال مورانجوا في التقرير "الاستنتاج الرئيس أن الفقر انخفض بشكل كبير بين الأعوام 2010/2011 و2013/2014، ويظل صحيحا". في الواقع، أضاف أن "معدل الفقر انخفض 6.9 نقطة مئوية، حتى أكثر مما كنا نعتقد في البداية".
تحليل "فاينانشيال تايمز" للبيانات نفسها يتناقض مع تلك النتيجة، ما يشير إلى أن هناك محاولة مستمرة منذ عام 2015 لتحريف النتائج.
وفقا لحسابات "فاينانشيال تايمز"، من الممكن إظهار انخفاض معدل الفقر بمقدار 6.9 نقطة مئوية فقط إذا كانت القيمة المتوسطة لمؤشر تكاليف المعيشة للمعهد الوطني للإحصاء في رواندا بنسبة 4.7 في المائة، بتعبير بسيط، لا يمكن أن ينخفض معدل الفقر بهذا الهامش الكبير إلا إذا كان متوسط الأسعار للأسر الأكثر فقرا، البالغة 40 في المائة، قد زاد 4.7 في المائة أو أقل بين كانون الثاني (يناير) 2011 وكانون الثاني (يناير) 2014.
يقول أربعة أكاديميين اتصلت بهم "فاينانشيال تايمز"، "إنهم يعتقدون أن الأسعار في المجتمعات الريفية زادت أكثر من 4.7 في المائة بكثير خلال الفترة المعنية، وبدا كأنه تم استخدام تقديرات منخفضة لارتفاع الأسعار لتحريف النتائج والإشارة إلى انخفاض في معدل الفقر لم يحدث فعلا".
سام ديزيير، باحث أول في جامعة لوفين في بلجيكا درس إحصائيات الفقر في رواندا، يقول "إن متوسط الأسعار ربما ارتفع 30 في المائة على الأقل في عامي 2011 و2014"، بناء على تحليله بيانات الأسعار المدرجة في استطلاع الأسر في رواندا، ذلك الاستنتاج يعني أن معدل الفقر زاد نحو 6.6 نقطة مئوية، وفقا لتحليل "فاينانشيال تايمز"، يقول ديزيير "كلما كان معدل التضخم أعلى، زاد معدل الفقر أكثر".
تنفي رواندا أنها حرفت النتائج، يقول مورانجوا "الادعاء أن الفقر في رواندا زاد بين عام 2011 وعام 2014 خاطئ".
أضاف المعهد الوطني للإحصاء في رواندا أن "من غير المناسب استخدام متوسط مؤشر تكاليف المعيشة لفهم كيفية تعديل الأسعار بين الاستطلاعين"، لكنه رفض تقديم أي تفاصيل أخرى حول المعدلات المستخدمة.
الطابع الذاتي للافتراضات الذي يجب أن يتخذه مختصو الاقتصاد لتقدير ومقارنة مستويات الفقر يجعل من الصعب جدا الوصول إلى استنتاج نهائي، لكن حتى المستشارين في رواندا يعارضون وجهة نظر الحكومة التي تقول "إن الفقر قد انخفض".
عين المعهد الوطني للإحصاء في رواندا "أكسفورد بوليسي مانيجمينت" Oxford Policy Management، الشركة الاستشارية التي يوجد مقرها في المملكة المتحدة، لمساعدته على إنهاء تحليل الفقر في عام 2015، كما فعل في كل من الاستطلاعات الثلاثة السابقة.
وجد فريق "أكسفورد" أن الفقر زاد بما لا يقل عن 6 في المائة، لكن حكومة رواندا رفضت النتيجة، ذلك وفقا لشخص مطلع على عمل الشركة مع المعهد الوطني للإحصاء، طلب عدم ذكر اسمه.
مع اقتراب موعد استفتاء دستوري في كانون الأول (ديسمبر) هذا العام، يتعرض المسؤولون لضغط من أجل إظهار التقدم المستمر ولا توجد طريقة يمكن من خلالها تحمل أي زيادة غير مرغوب فيها في معدل الفقر، كما يقول الشخص المطلع. بعد أسابيع من النقاش حول المنهجية الجديدة المقترحة في رواندا، يضيف هذا الشخص أن "شركة أكسفورد أنهت العقد ولم توقع على التقرير النهائي".
أكدت شركة أكسفورد أنها تعاقدت مع المعهد الوطني للإحصاء في رواندا في عام 2015 للمساعدة على تحليل نتائج الاستطلاع، لكنها رفضت التعليق أكثر بسبب سياسة سرية العميل.

سمعة البنك الدولي
داخل البنك الدولي، أدى تقرير الفقر أيضا إلى انقسام في الرأي؛ في حين إن مكتب رواندا في البنك دعم رسميا النتائج، إلا أن خمسة من موظفي البنك الدولي أطلقوا ناقوس الخطر في رسالة موجهة إلى القيادة العليا في المنظمة، تُنشَر تفاصيلها هنا للمرة الأولى.
"تشير التطورات الأخيرة إلى مخاطر محتملة خطيرة على السمعة بالنسبة إلى البنك الدولي إذا استمرت عملياته في رواندا في المسار الحالي"، كما كتب المسؤولون في الرسالة المؤرخة في الأول من كانون الأول (ديسمبر) 2015 وكانت موجهة إلى جيم يونج كيم، رئيس البنك الدولي في ذلك الحين، ومختار ديوب، نائب الرئيس في ذلك الحين لمنطقة إفريقيا، ودياريتو غاي، المديرة المسؤولة في ذلك الحين عن أريتريا وكينيا ورواندا.
المجموعة، التي تسمي نفسها "محترفون من أجل الحقيقة في المساعدات"، عبرت عن قلقها إزاء ما تقول إنه "تلاعب بالإحصائيات الرسمية وفشل في تقديم بيانات موثوقة علنا".
لم تتلق المجموعة أي استجابة وقررت عدم الذهاب أبعد من ذلك. يقول أحد المؤلفين، الذي طلب عدم الكشف عن هويته "أرسلنا الرسالة بشكل مجهول، لأننا كنا خائفين جدا من الانتقام من السلطات الرواندية".
يقول البنك الدولي "إنه لا يستطيع التحقق من صحة الرسالة أو تأكيد إذا ما كان قد تسلمها كيم أو ديوب أو غاي، لأنها لم تُرسَل باستخدام أنظمة الإبلاغ عن المخالفات الرسمية في المؤسسة". فيما يتعلق بقلق شركة أكسفورد المزعوم بشأن موثوقية بيانات الفقر، قال البنك الدولي "إنه على دراية بالنقاشات "بين شركة أكسفورد لإدارة السياسة والمعهد الوطني للإحصاء في رواندا في عام 2015"، لكنه لم يكن مطلعا على المداولات بين الحكومة ومستشارها".
دافع البنك الدولي مرتين عن تحليل الفقر الذي أجرته الحكومة: في تقرير مكون من 25 صفحة في أيلول (سبتمبر) 2018 بعنوان "إعادة النظر في اتجاه الفقر في رواندا" وفي بيان عام في نيسان (أبريل).
في كلا التقريرين، قال البنك الدولي "إن التباين الواسع بين مؤشر الأسعار الاستهلاكية – الذي يحدد معدل التضخم للأعوام 2011-2014 بنسبة 23 في المائة – والمؤشر الأقل بكثير الذي استخدمه المعهد الوطني للإحصاء في رواندا، يتطلب مزيدا من التحقيق"، لكنه دعم الاستنتاج بأن الفقر قد انخفض؛ قال "لم نجد أي علامة واضحة على وجود أخطاء أو تلاعب".
إحدى المشكلات في الوصول إلى إجابة محددة حول ما تظهره بيانات الاستطلاع هي المجموعة المتنوعة من الخيارات لحساب التضخم، مثلا، تجادل رواندا بأن معدل تضخم مؤشر الأسعار الاستهلاكية بنسبة 23 في المائة يميل نحو الأسعار في المناطق الحضرية، وأن تكاليف المواد الغذائية في المناطق الريفية – 80 في المائة من سكان رواندا يعيشون في المجتمعات الريفية – كانت تزيد ببطء أكثر خلال الفترة من عام 2011 حتى عام 2014.
وتقول "إن إصلاح الحكومة الواسع لقطاعها الزراعي من عام 2008 أدى إلى زيادة الإنتاجية، ما أدى بدوره إلى تحسين مستوى المعيشة للعائلات في المناطق الريفية".
لكن آن أنسومس، الأستاذة في دراسات التنمية في جامعة لوفين في بلجيكا، ترى أن السياسة كان لها تأثير معاكس، بموجب البرنامج الذي كان مدعوما من البنك الدولي، وُجِّهت تعليمات إلى المزارعين لزراعة محاصيل محددة في مناطق محددة".
تقول أنسومس "إن البرنامج أدى إلى زيادة الإنتاجية، لكنه أدى أيضا إلى تضخم كبير في الأسعار لتلك المحاصيل التي لم يزرعها الناس. في النظرية الاقتصادية المثالية، ستكون لديك أسواق متكاملة تماما، ومن ثم تحصل على تأثيرات وفورات الحجم... لكن هذا ليس ما حدث".
أدى ارتفاع الأسعار إلى زيادة ندرة وجود كثير من الزراع الصغار في المناطق الريفية التي أجرت فيها أنسومس العمل الميداني بين عام 2010 وعام 2014، كما تقول، "حتى إذا حصل الناس على سعر جيد إلى حد ما مقابل إنتاجهم من الذرة، فإن قوة المساومة على الأجر الذي يحصلون عليه لم تكن أبدا في مستوى ما أنتجوه نفسه من قبل".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES