نحن والعالم في 2030

|


يلاحظ القارئ الكريم أن عددا كبيرا من الدول حرصت على وضع برنامج واسع للتنمية المستدامة في جميع مجالات الحياة، حيث ينتهي في عام 2030، وهذا التحديد هو بمنزلة تنفيذ لقرارات قمة الأمم المتحدة التي عقدت في 2015 بهدف تحقيق التنمية المستدامة في كوكب الأرض بحلول عام 2030، وحذرت الأمم المتحدة كل دول العالم من مغبة تجاهل عام 2030، وأكدت المنظمة أنه ابتداء من هذا العام سينتهي عصر النظم التقليدية فوق كوكب الأرض، ويدخل العالم عصر الذكاء الاصطناعي وتعميم الأنظمة الرقمية على كل شؤون الحياة في كل دول العالم تقريبا.
وتأسيسا على ذلك حذرت المنظمة الدولية أن من فاته الدخول في الأنظمة الرقمية والذكية فإنه سيصبح خارج دائرة العالم الحديث الذي أخذ بأسباب الثورة الصناعية الخامسة أو ما يسمى باسم عصر الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الرقمية.
ومن حسن الحظ أن المملكة كانت من بين الدول السباقة حيث صممت في عام 2016 "رؤية المملكة 2030"، وهي رؤية ستدخل المملكة في صلب العصر الاصطناعي الرقمي. إن الدول إذا لم تستعد وتضع الخطط للدخول في العالم الرقمي الذكي مع تباشير عام 2030، فإنها ستكون دولا متخلفة لا تستطيع أن تتعامل مع أدوات العصر الرقمي الذي سيسود في عصر النظام الدولي الجديد.
بمعنى أن عام 2030 الذي استخدمه عدد كبير من الدول ليكون فيصلا بين مرحلة تنموية تقليدية، ومرحلة تنموية رقمية سيحدد الانتقال من عالم كلاسيكي إلى عالم رقمي ذكي يستخدم كل أدوات الجيل الخامس من الثورة الاصطناعية الجديدة.
وفي العصر الرقمي يتوقع العلماء أن العالم لن يكون أحادي القطبية وستفقد الولايات المتحدة تفردها ويبدأ النظام العالمي في تشكيل عالم متعدد الأقطاب، حيث تصعد الصين والهند، ويعملان على نقل الثروة من الغرب والشمال إلى الشرق والجنوب، وسيكون هذا العالم أكثر عدالة وتوازنا، وأقل حروبا.
وإزاء ذلك فإن العالم في حاجة إلى نشوء منظمات مالية واقتصادية جديدة من أجل المساهمة في إعادة تشكيل المشهد العالمي بمعاييره الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية الآخذة في التبلور، لأنه من غير المتصور أن تستمر التغيرات في البنى التحتية لمؤسسات محلية وإقليمية دون أن يصحبها تغيير في الهياكل الأساسية للمنظمات الدولية.
والعلماء يصفون الثورة الصناعية الخامسة بأنها ستكون تسونامي التقدم التكنولوجي الذي سيغير كثيرا من تفاصيل الحياة البشرية فوق كوكب الأرض، وتهدد هذه الثورة الرقمية العلاقات الاجتماعية الحميمة بين البشر، وهذه التغيرات تقتضي بالضرورة تغيرات في المنظمات الدولية التي ترعاها وتديرها.
إن الذكاء الاصطناعي موجود اليوم في كل مكان حولنا، ولقد تم إحراز تقدم مثير للإعجاب في حقل الذكاء الاصطناعي حيث تم الوصول إلى البصمة الوراثية واكتشاف أدوية جديدة تقضي على كثير من الأمراض المستعصية التي عصفت بالجنس البشري طوال الدهور الماضية، وفي الوقت نفسه فإن تكنولوجيا التصنيع الرقمية تتفاعل مع عالمنا البيولوجي بشكل مبشر، وتوفر رعاية صحية أفضل للإنسان، وعلى سبيل المثال فإن مجموعة من المعلومات الصحية المهمة ستتوافر في "الموبايل" مثل عمليات تحليل الدم والبول وقياس الضغط، إلى غير ذلك من المعلومات التي يحتاج إليها الطبيب عن مريضه في الحالات الحرجة.
والعلماء في علوم المستقبل يقولون إن البشرية ذاهبة على قدميها إلى عالم رهيب ومخيف عندما تندمج ثورة عالم تكنولوجيا المعلومات مع ثورة التكنولوجيا الحيوية وتصبح قادرة على اختراق جسم الإنسان وقراءة كل ما يدور بخلده وخواطره، أي لن تكون هناك أسرار يبطنها الإنسان، ويقول هايراري؛ المتخصص في علوم المستقبل إن الاختراع الرئيس الذي يجعل الاندماج بين تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الحيوية ممكنا هو جهاز الاستشعار البيولوجي الذي يمكنه قراءة بصمات الأصابع على سبيل الافتراض.
إضافة إلى ذلك فإن العصر الاصطناعي سيربط خدمات المدن الكبيرة ومرافقها العامة بالإنترنت ما يوفر مزيدا من الرقابة والطاقة ويسهل حركة النقل، بل أكثر من هذا فإن العلماء يؤكدون أن بحلول عام 2025 ستظهر في العالم المدن الخالية من إشارات المرور، ومواقف السيارات الخالية من اللصوص.
وعموما نقر بأن ابتكارات العصر الاصطناعي المذهلة لها سلبيات ستواجهها المجتمعات الإنسانية وأهمها انتشار البطالة على نطاق واسع، ويقدر الاقتصاديون أن أتمتة الصناعة من شأنها أن تقلص فرص العمل في الطبقتين الدنيا والوسطى إلى نحو 50 في المائة بل يخشى أن يؤدي العصر الاصطناعي إلى هيمنة الشركات الكبرى واضمحلال دور الشركات المتوسطة والصغيرة في الناتج القومي المحلي، وحتى لا نذهب بعيدا فإن الصين شهدت انخفاضا ملحوظا في معدل مساهمة الأيدي العاملة في إجمالي الناتج المحلي الإجمالي بسبب استخدام التكنولوجيا الحديثة بدلا من الأيدي العاملة.
إذن المطلوب من كل المجتمعات في كل أنحاء كوكب الأرض أن يتعلموا كيف يديرون ويستفيدون من هذه التكنولوجيا الجديدة التي بدأت تفرض سيطرتها وسطوتها في كل أسواق العالم، إنه العصر الاصطناعي الذي يراهن على مستوى من الذكاء يفوق الذكاء الإنساني، ما يعني ضرورة أن يكون الإنسان على مستوى التحدي، ويعمل بكل قواه من أجل أن يكون في مستوى المنافسة والندية مع هذا المنافس الشرس الذي جاء بتكنولوجيا لم يسبق للإنسان أن واجهها على مدى حياته الغابرة.
وقد يكون من المناسب أن يتجه العالم الجديد إلى استبدال المنظمات التقليدية مثل منظمة الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي بمنظمات عصرية تتبنى مسؤولية وضع نظام اقتصادي جديد بعد أن شاخت الرأسمالية المترهلة وأصبحت غير قادرة على الاستمرار ومواجهة التحديات.

إنشرها