الموارد الذاتية في الوزارات الخدمية

|


منذ اندحار نظرية دولة الرفاهية التي قادتها ألمانيا وبريطانيا في منتصف القرن الماضي وانهيارها تماما مع برنامج التخصيص الذي قادته تاتشر في المملكة المتحدة، وفلسفة الإدارة العامة تعاني عدم التوزان، وهي تحاول إعادة تعريف جميع نظرياتها وأطرها للتقارب مع فلسفة إدارة الأعمال، وأصبحت مفاهيم الجودة الشاملة تجد طريقا سهلا للوصول إلى القيادة الحكومية وإقناعها حتى لو انتهت وبمرأى العين بهدر ضخم للموارد، كما أن هذا أفسح المجال لمؤشرات الأداء المرتبطة بمفاهيم الكفاءة والفاعلية، رغم صعوبة قياسها بطريقة مباشرة ودقيقة في الإدارة العامة، وبهذا وجد التنفيذيون في قطاع الأعمال فرص عمل برواتب ضخمة مضمونة في القطاع العام غير مرتبطة بقياسات دقيقة للإنتاج، وهذا في مجمله أوجد تضاربا في المصالح لم تتم مناقشته بجدية حتى الآن، فالتنفيذيون في القطاع العام يضعون مؤشرات الأداء على أنها مقاييس للإنتاجية، بحكم خبراتهم في قطاع الأعمال، ثم يعملون على تعظيم هذه المؤشرات لإثبات الفاعلية والكفاءة، ثم يعدون تقاريرها في نهاية المسار، ويبررون ما يحصلون عليه من رواتب ومكافآت، بغض النظر عن حقيقة تقديم الخدمة العامة. وقد بدأت فلسفة العقد الاجتماعي تتوارى أمام هذا المد الجارف من رأسمالية التنفيذيين مهددة دول العالم أجمع بفيضانات من الاحتجاجات ولم تزل أدوات الحوكمة والرقابة العامة غير فاعلة.
أسلوب تعظيم الموارد الذاتية في بعض القطاعات الحكومية التي تقدم الخدمة العامة "كالتعليم والصحة والتدريب والاستشارات"، هو اتجاه من تلك الاتجاهات التي تسعى فيه الإدارة العامة إلى التقارب مع إدارة الأعمال، ولعل هذا الاتجاه يجد صداه الواسع في الجامعات خصوصا التي تسعى إلى تعظيم الاستفادة من مواردها سواء البشرية أو المادية لإيجاد إيرادات، كما وجد صداه في وزارات أخرى خدمية، لكن ما يسمى الموارد الذاتية يجد مشكلات كبيرة للخدمة العامة، ذلك أنه ينقل مفهوم الخدمة العامة التي يجب أن تقدم مجانا إلى مفهوم التسعير الرأسمالي، وهذا مفهوم لا يمكن تصوره في القطاع العام بوضعه الحالي وبالطريقة المحاسبية المتعبة حاليا في المملكة طالما أن الأموال التي تستخدم في الإنتاج مجانية ولم تسعر رأسماليا. وللتوضيح فإن إحدى الجامعات أو الوزارات مثلا تضع خدمة تعليم أو صحة أو غيرها بشكل مجاني "أو لنقل إنها لا تعرف حقيقة تكلفة الخدمة"، وهي تستخدم في ذلك الأموال العامة "الميزانية العامة للدولة"، وتستخدم كل الأدوات والأجهزة ذات العلاقة التي تم الحصول عليها بشكل مجاني من الأموال العامة، و"مجاني بمعنى أن الجهة الحكومية ليس لها رأسمال مخصص تم جمعه من الأنشطة الإنتاجية أو من جهات التمويل"، وفي هذه البيئة الاقتصادية العامة، يتم إنشاء مكتب للموارد الذاتية، يتم من خلاله تقديم الخدمة المجانية لكن بمقابل مادي للذين لم تنطبق عليهم شرط الحصول عليها مجانا وببعض الإجراءات المحاسبية البسيطة ويتم تحديد مقابل مادي لهذه الخدمة يسمى فيما بعد الموارد الذاتية، هنا تبدأ المشكلات التي تتعلق بالإدارة العامة ورغبتها في إدخال مفاهيم الأعمال، حيث تجد صعوبات فلسفة عميقة في تفسير وتوزيع عوائد الموارد الذاتية، فكم يأخذ العمال والموظفون المشاركون فيها؟ هل يتم التسعير لهم وفقا لقيمة الساعة في القطاع العام، "لوائح الخدمة المدنية مثلا"، أم وفقا لأقرب سعر في القطاع الخاص، وأيا كان الاختيار فهو "غير صحيح" لأنه لم يتم على أسس فلسفة ونظرية الإدارة العامة ولا فلسفة ونظرية السوق والمنافسة في قطاع الأعمال، إنما بقرار إداري. ثم تتأزم فكرة الموارد الذاتية مع دخولها ضمن مؤشرات الأداء، حيث يتم تقييم عمل الإدارة العامة بقدرتها على تعظيم الموارد الذاتية، وهذا في نظري كارثة فكرية، إذ إنه تحول خطير من فكرة الإدارة العامة إلى فكرة الرأسمالية القائمة على تعظيم الربح، وبهذا يصبح تعظيم الأرباح هدفا ولم تعد الخدمة العامة هدفا أو على الأقل قد يتعارض الهدفان، وهنا تظهر أيضا مشكلات كثيرة مع هذا الاتجاه لا يسع المقال ذكرها.
هناك مشكلة أكبر من مسألة تعظيم الربح والتسعير وهي مشكلة اعتبار الموارد الذاتية جزءا من مشرع التخصيص أو الخصخصة، وهذا تحول خطير جدا في المفاهيم، إذ إن التخصيص غير حقيقي هنا، لكنه من جانب آخر قائم فعليا من حيث تحول الخدمة العامة إلى مفاهيم الأعمال وتعظيم الربح والعوائد، كما أن مكتب الموارد الذاتية دخل في منافسة القطاع الخاص دون أسس كافية تضمن عدالة تنافسية السوق، فالقطاع الخاص حصل على الموارد والأصول الإنتاجية من خلال التمويل المكلف وعليه دفع تكلفة رأس المال بينما الموارد الذاتية لا تحقق هذا الشرط ولهذا فإن هامش المنافسة لديها أكبر طالما هي لا تدفع تكلفة مقابل الحصول على الأصول ورأس المال عموما، وهذا يعطل مفاهيم التخصيص ومفاهيم مقابلة الإيرادات بالمصروفات ومفاهيم كثيرة محاسبية، منها مفهوم الوحدة المحاسبية الأهم، وهي المفاهيم القادرة على قياس الأداء وفقا للمفاهيم الرأسمالية وقواعد السوق. ولهذا كله أرى أن السماح للجهات الحكومية بمختلف قطاعاتها التي تقدم خدمة عامة باستخدام الأصول العامة الممنوحة لها من أجل تحقيق موارد ذاتية سيسبب خللا اقتصاديا لها، ويجب التوقف عن هذا تماما، وللجهات الراغبة في مثل هذا التحول مقال ومقام آخر.

إنشرها