«ديمقراطية» تعليق البرلمان

|


"إذا استطعنا أن نضع إنسانا على القمر، فسنستطيع حل مشكلة حدود إيرلندا الشمالية"
بوريس جونسون، رئيس وزراء بريطانيا الجديد


بوصول بوريس جونسون إلى زعامة حزب المحافظين وبالتالي رئاسة وزراء بريطانيا، تغيرت اللغة السياسية حول مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست". صارت أكثر هجومية، بل أصبحت اتهامية بين أطراف الخروج وجهات البقاء. بين من يريدون خروجا بأي ثمن حتى لو كان بلا اتفاق مع الاتحاد، وبين أولئك الذين لا يرون الخروج إلا باتفاق. "التحزب" ضمن الحزب الحاكم الذي كان يتسم بالتكتيك و"التنغيص" يبدو الآن واضحا عبر مواقف لم يكن أحد يتوقعها، مثل تصويت بعض نواب المحافظين ضد حزبهم إذا اقتضى الأمر. هؤلاء يقدمون خطابا وطنيا، وليس حزبيا. وهم يعتقدون أن الوطن أهم من أي حزب في البلاد، وأن الأضرار التي ستنجم عن "بريكست" بلا اتفاق لا يوجد عاقل يقبلها.
حكومة جونسون الجديدة أقسمت له أنها ستمضي قدما في منهجه لإتمام الخروج من الاتحاد الأوروبي بنهاية تشرين الأول (أكتوبر) المقبل. وهذا يعني أن رئيس الوزراء الجديد كان حريصا على اختيار حكومة لا متمردين محتملون فيها، وكان أحرص على التخلص من كل وزراء حكومة تريزا ماي، ولا سيما أولئك الذين يطرحون موضوع "بريكست" من زاوية الخروج باتفاق. بل كان بينهم من يطالب بإجراء استفتاء ثان على الخروج برمته. الحكومة البريطانية الجديدة "يملكها" بالفعل بوريس جونسون، لكن السؤال الأهم من كل هذا، هل يستطيع الحفاظ عليها لمدة زمنية طويلة؟ وسؤال آخر، هل يمكنه الصمود أمام أي محاولات تهدف إلى إسقاط الحكومة، بهدف إجراء انتخابات عامة؟ دون أن ننسى أن نوابا من حزبه عبروا عن عزمهم التصويت ضد حكومتهم بالفعل، لمنع الخروج بلا اتفاق.
جونسون حاول ترويج عزمه على تعليق البرلمان إذا كان ذلك سيوفر له مسارا للخروج من الاتحاد الأوروبي في الموعد المحدد. وتعليق البرلمان ليس تعبيرا سطحيا يمكن أن يمر بسهولة. فعلى الرغم من قدرته الدستورية على التعليق، إلا أن بعض المؤيدين له بقوة، لا يرون هذه الأداة وسيلة لائقة في بلد يفتخر بأنه أول من اعتمد النظام الديمقراطي في الحكم وتداول السلطة. ولذلك خسر دومنيك راب وزير خارجيته الجديد أول جولة في انتخاب زعامة الحزب، لأنه وضع هذا الخيار على رأس برنامجه الانتخابي. مجلس العموم "البرلمان" أسرع بالطبع وصوت ضد مشروع يمنع رئيس الوزراء من تعليق هذا البيت الديمقراطي. فالمسألة صارت خطيرة على المبادئ السياسية العامة، والنهج الديمقراطي.
الوصول إلى السلطة كان المهمة الأسهل لجونسون. فقد اعتمد على أصوات أعضاء الحزب الذين يؤيدون تلقائيا خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي بأي ثمن أو طريقة. وهؤلاء أغلبية منتسبة للحزب من كبار السن. وكان فوزه على هذه الساحة شبه مؤكد حتى قبل أن يخوض معركة زعامة الحزب. لكن المهمة الأصعب "وربما المستحيلة" أمام رئيس الوزراء الجديد، هي التزامه بتعهده أنه سيخرج البلاد بنهاية تشرين الأول (أكتوبر) مهما كلف الأمر! دون أن ننسى بالطبع، أنه لا يتمتع إلا بأغلبية مقعدين اثنين في مجلس العموم، فأي مشروع يقدمه من السهولة بمكان القضاء عليه عبر تمرد من عدد قليل من نواب حزبه عليه. وهؤلاء متوافرون بأعداد ليست قليلة على كل حال.
بوريس جونسون يقود حزبا هشا حاليا. فحتى أغلبيته البسيطة جدا مكونة من حزب إيرلندي صغير، بالإمكان انسحابه عند أول خلاف مع رئيس الوزراء حول إقليم إيرلندا الشمالية. فهذه الأخيرة هي العقدة الأكبر والأصعب حاليا ضمن مسيرة "بريكست" التي لا تنتهي. ولا يوجد سياسي على درجة مقبولة من العقلانية يتقدم ويعبث بهذه المسألة الحساسة، ليس بالنسبة لأوروبا فقط بل بالنسبة للمملكة المتحدة برمتها. إنها قضية تتعلق بكيان المملكة نفسه. والمشكلة أن جونسون لا يرى فيها معضلة كبيرة طالما أن معضلات مشابهة تم حلها في التاريخ حسب زعمه. لكن القضية لا تمضي هكذا. فالأوروبيون متمسكون بقوة بوضع حدود بين بريطانيا وإيرلندا الشمالية التابعة لها، إذا ما فشلت المفاوضات بين لندن وبروكسل حول شكل العلاقة المستقبلية بين الطرفين.
هي مصيبة يرى كثير من السياسيين البريطانيين أنها عصية على الحل، تماما كما ترى بريطانيا كلها أن "بريكست" هو المشكلة الأكبر التي تواجه البلاد منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. فلا يوجد حزب قادر على إخراج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بهدوء وضمن اتفاقات انفصال ومعاهدات تجمع الطرفين بعد ذلك. والحكومة الحالية تتسم حقا بأنها "حكومة حرب" لا تريد أي شيء سوى الانفصال. فقد فقدت الأمل (كسابقتها) في إقناع الاتحاد الأوروبي بفتح ملف الاتفاق الذي وقعته حكومة تريزا ماي مجددا. اللعب الآن على ساحة المملكة المتحدة بحكومتها الحالية، وبالفوضى السياسية التي تعيشها منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وبإمكانية تفكك كيانها بالفعل في مرحلة ما. رئيس الوزراء السابق جوردون براون قال علنا: قد يكون جونسون آخر رئيس وزراء لهذه المملكة.

إنشرها