توظيف المواطنين مرهون بتوطين الوظائف القيادية

|

اُستخلِصَ من المقال السابق "هل النمو الراهن للقطاع الخاص كاف لنمو التوطين؟!"؛أن النمو المرتفع للقطاع الخاص وحده لا يكفي لرفع معدل توظيف العمالة الوطنية، وهو ما أظهرته مؤشرات أداء القطاع خلال الفترة الماضية، التي تسارع خلالها نمو القطاع لكن في المقابل انخفض نمو التوظيف. وأظهرت التطورات في جانب تباطؤ توظيف العمالة الوطنية أحيانا، وأحيانا أخرى انخفاضها، وتركز التوظيف بالنسبة لها في الوظائف الهامشية أكثر منها وظائف ذات كفاءة وجدوى. وفي المقابل أظهرت أيضا تطورات سوق العمل المحلية أن انخفاض الاعتماد على العمالة الوافدة، تركز في الوظائف الأدنى من حيث الأجور والمهارات ومستويات التعليم اللازمة، وهي الوظائف التي لا تلائم طلب التوظيف بالنسبة للعاطلين، الذين يشكل منهم حملة الشهادة الجامعية فأعلى نحو 56 في المائة، وترتفع النسبة إلى أعلى من 91 في المائة من إجمالي العاطلين عن العمل لمن يحمل منهم الشهادة الثانوية فأعلى.
لا تزال برامج التوطين الراهنة، على الرغم من كل التعديلات والتحديثات التي طرأت عليها طوال ما يقارب العقد الزمني، تؤكد التطورات والنتائج الراهنة، أنها لا تزال أضعف من مواجهة التحديات الكامنة في سوق العمل المحلية، وتحديدا في بيئة قطاع الأعمال، وأن منشأ نقاط الضعف في تلك البرامج لا يزال في منأى بعيد عن مشارط الإصلاح الفعلي والجذري، وما تركيزها حتى تاريخه على الكم قبل النوع إلا أحد أوجه ضعف تلك البرامج، وحتى هذا المؤشر الكمي تحول إلى وضع عكسي تماما بعد أن أظهرت مؤشرات توظيف العمالة الوطنية انخفاضا وصل إلى 4.2 في المائة بنهاية 2018.
يعاب على برامج التوطين الراهنة؛ أنها لم تقترب حتى تاريخه من منطقة صنع القرار داخل القطاع الخاص، وهي المنطقة العليا قياديا وتنفيذيا في منشآت القطاع الخاص، التي تتحكم في مقدرات وتوجهات تلك المنشآت، وهي أيضا يراد منها أن تستجيب لبرامج وإجراءات التوطين كافة، كما يراد منها أن تعمل على رفع معدل التوطين وزيادة فرص العمل الكريمة أمام الباحثين والباحثات عنها من المواطنين، وهي أيضا المنطقة التي ينتظر منها أن تسهم بفعالية في خفض معدل البطالة بين المواطنين. لكن لماذا لم تنجح هذه المنطقة في صنع القرار في منشآت القطاع الخاص في كل هذا؟!
السبب الرئيس وراء كل ذلك؛ أنها المنطقة المسيطر عليها من العمالة الوافدة، وهي المستويات الأعلى من حيث الأجور الشهرية، والأعلى من المستويات القيادية والعليا والتنفيذية. وزاد من صعوبة الأمر في مواجهة هذه المعضلة الكأداء، أن هناك برنامجا واحدا تم إيجاده وتنفيذه للتعامل الحازم مع هذا التحدي القائم في منشآت القطاع الخاص. ولهذا كما أن برامج التوطين على كثرتها ودقة تفاصيلها، توجهت طوال ما يقارب العقد الزمني الماضي نحو هوامش وظائف القطاع الخاص، والتركيز على الكم أكثر منه على النوع، فلا غرابة أن تأتي النتائج أيضا هامشية على مستوى الوظائف التي حصلت عليها العمالة الوطنية طوال تلك الفترة.
وسيبقى الوضع هكذا لأعوام مقبلة، طالما ظلت تلك البرامج هامشية في منهجيتها، فالنتائج لن تخرج بأي حال من الأحوال عن هذه الآلية الهامشية، ولن يتغير كل ذلك إلا إذا تم ابتكار وتصميم وتنفيذ برامج توطين أكثر اقتحاما للمناطق شبه المحرم الوصول إليها في أعلى هرم منشآت القطاع الخاص، والأخذ في عين الاعتبار عند القيام بذلك عددا من الاعتبارات، لعل من أهمها حجم المنشأة، والنشاط الذي تنتمي إليه المنشأة، وموقعها الجغرافي، ودرجة ارتباطها أو اعتمادها على العقود الحكومية، وهي الاعتبارات التي كلما زاد حجم المنشأة أو اعتمادها على العقود الحكومية أو كان موقعها في مدن أكبر، زادت الحاجة إلى فرض أعلى معايير تطبيق برامج توطين المستويات القيادية والتنفيذية فيها.
كما قد يتطلب الأمر للوصول إلى نتائج أقوى على مستوى زيادة توطين الوظائف، وتخفيف الاعتماد المفرط على العمالة الوافدة، أن يتم العمل على تغيير عديد من برامج التوطين الأخرى، أو حتى الاستغناء عنها في مرحلة قادمة، وتحويل الضغط على منشآت القطاع الخاص في مجال التوطين لوظائف لا تحظى خلال الفترة الراهنة بقبول أغلبية طالبي العمل من المواطنين، وهي الوظائف المتدنية الأجور والتعليم والمهارات اللازمة، إلى الضغط بدرجة أكبر على الوظائف الأكثر طلبا من قبل طالبي العمل من المواطنين، وجزء منها يقع في المناطق المشار إليها أعلاه، وأجزاء أخرى منها بأعداد أكبر تقع في المستويات الإدارية المتوسطة، ولا تزال في منأى حتى تاريخه عن وصول برامج التوطين الراهنة إليها، وهو ما سبقت الإشارة إليه في المقال السابق؛ التي أظهرت تطورات سوق العمل المحلية وفقا لتبويب الوظائف حسب مستوياتها الإدارية وحسب مستويات الأجور الشهرية "الوظائف العليا، التنفيذية، المتوسطة، الدنيا". وتركز انخفاض العمالة الوافدة في المستويات الأدنى إداريا من حيث الأجور بمعدل سنوي بلغ 15.5 في المائة خلال 2018، مقابل انخفاضها بما لا يتجاوز 1.4 في المائة لدى الوظائف الأعلى مستوى إداريا من حيث الأجور.
يقوم بالدرجة الأولى تقييم أي سياسات أو برامج مهما كان نوعها على النتائج المتحققة لها، فإن كانت عند الأهداف نفسها أو أعلى منها، فهذا مؤشر قوي على فعاليتها وكفاءتها، يمنح القائمين عليها دافعا أكبر للمضي قدما في الاستمرار بها، والعمل المتكامل مع بقية الأطراف ذات العلاقة لمزيد من تطويرها وتحديثها. أما في حال جاءت النتائج أدنى بكثير من الأهداف التي لأجلها تم إقرار العمل بها، فلا بد حينئذ العمل على مراجعتها والوصول إلى أسباب ضعفها ومعالجته فورا، والعمل على إعادة تصميمها وتوجيهها بما يحقق الأهداف المنشودة. ويزداد الأمر أهمية بصورة لا تقبل التأخير؛ في حال جاءت النتائج على العكس تماما من الأهداف التي لأجلها تم إقرار العمل بأي من تلك السياسات أو البرامج، وهو ما حدث فعلا على أرض الواقع في بيئة الأعمال المحلية، وأصبحنا في مواجهة معدلات نمو سلبية لتوظيف العمالة الوطنية، على الرغم من تحسن معدل نمو القطاع الخاص، الذي كانت منشآت القطاع الخاص ستتعذر به لو كان ذلك النمو ضعيفا أو سلبيا، إنما المشاهد الآن هو زيادة تحسن نمو القطاع، مقابل مزيد من انخفاض توظيف العمالة الوطنية. والله ولي التوفيق.

إنشرها