الدول الناشئة .. مخاطر الديون والحلول

|


تحذر المؤسسات الدولية المختصة منذ فترة من مغبة الارتفاع الهائل لديون الأسواق الناشئة. والحق أن هذا الارتفاع يصيب أيضا البلدان المتقدمة، التي تجاوزت ديون بعضها العامة ناتجها المحلي الإجمالي، ولا يزال المؤشر في صعود. والديون في مجملها وبكل أشكالها تترك أعباء ثقيلة وخطيرة على الاقتصادات كلها، بصرف النظر عن مدى متانتها وسمعتها الائتمانية. فالأزمة الاقتصادية العالمية، التي انفجرت في عام 2008 ودامت أكثر من عقد من الزمن، ما كانت لتحدث لو أن هناك سيطرة مقبولة على هذه الديون. إنها ببساطة مصيبة ديون تحولت إلى أزمة نالت من كل الدول دون استثناء. ورغم أن العالم تخلص من آثارها أخيرا، إلا أن المخاوف لا تزال تسيطر على الساحة العالمية من تأثير الديون المتصاعدة هنا وهناك.
ديون الأسواق الناشئة قفزت أخيرا إلى 69.1 تريليون دولار! وفق معهد التمويل الدولي. وصارت تعادل أكثر من 216 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي! وهي نسبة مرعبة حقا. وفي الربع الأول من العام الجاري ارتفعت هذه الديون ثلاثة تريليونات دولار، الأمر الذي دفع المؤسسات الدولية المعنية بالمتابعة والتقييم، لرفع درجة التحذير من مغبة خروجها عن السيطرة. بالطبع السبب الأول وراء هذا الارتفاع الجنوني يعود إلى انخفاض معدلات الفائدة، الأمر الذي أطلق طفرة هائلة في مجال الإقراض. ناهيك عن التسهيلات المالــــية، التي يحــــصل عليها المقترضـــون، التي لا تتوافر فيها الشروط الكاملة للإقراض. هذا ما حدث بالضبط في السنوات التي سبقت الأزمة العالمية المشار إليها. ديون مرتفعة يرافقها عجز عن التسديد!
الذي يحدث حاليا، أن البنوك المركزية في الدول الناشئة تحافظ على المستويات المنخفضة للفائدة، بل إن بعضها يقوم بخفضها بصورة دورية. ويعود السبب في ذلك "في بعض الحالات" إلى اعتبارات سياسية. فأغلبية الحكومات ترغب في البقاء في السلطة عن طريق تأييد شعبي متصاعد، خصوصا في البلدان التي لا تتمتع فيها البنوك المركزية باستقلالية حكومية. وفي الآونة الأخيرة، رأينا كيف أقدم رجب طيب أردوغان، رئيس تركيا على عزل حاكم البنك المركزي التركي، لأن الأخير رفض ضغوط أردوغان في كل المناسبات لخفض الفائدة. فالحاكم أراد أن يدعم الليرة المتهاوية، لكن الرئيس يبحث عن تأييد شعبي بصرف النظر عن المخاطر التي يتعرض لها اقتصاد البلاد.
والديون التي نتحدث عنها في البلدان الناشئة تشمل، كما هو معروف، ديون الحكومات والشركات والمؤسسات المالية والأسر، أي أنها ديون إجمالية في اقتصادات وطنية، يعيش بعضها حالة من عدم اليقين، انعكست من خلال هروب استثمارات وتباطؤ النمو. والأهم من هذا وذاك، تسييس الحراك الاقتصادي بما يؤذي البلاد على المديين المتوسط والبعيد. والأمر ليس ورديا على الساحة الغربية. ففي إيطاليا، مثلا، تجاوزت الديون العامة إجمالي ناتجها، وفي اليابان تصل إلى أكثر من إجمالي الناتج بحدود مرتفعة. واليوم، تشهد الدول الناشئة تباطؤا في اقتصاداتها، وفي مقدمتها الصين. وهذه الأخيرة تواصل سياسة التحفيز القائمة على الإقراض السهل. وهناك تكمن المخاطر، عندما ترتفع الديون في بلدان تشهد تباطؤ النمو بأشكال مقلقة. لكن الواضح أن سياسة خفض الفائدة ستتواصل للأسباب السابقة، واعتقادا من المشرعين في البلدان الناشئة أن ذلك سيجلب مزيدا من القوة للنمو. غير أن المعطيات لا تبدو هكذا على الإطلاق.

إنشرها