شبح «فرساي» ونتائجها الاقتصادية والسياسية «1 من 2»

|


المؤتمر الذي أسدل الستار على الحرب العالمية الأولى تلاه توجه انغلاقي نرى أمثاله اليوم، ففي الـ29 من حزيران (يونيو)، عام 1919 من القرن الماضي، تم توقيع معاهدة فرساي لإسدال الستار رسميا على الحرب العالمية الأولى. غير أن هذه المئوية ليست مدعاة إلى الاحتفال، نظرا إلى إخفاق المعاهدة في تحقيق أهدافها، مخيبة بذلك الآمال التي عقدت عليها. فالمعاهدة لم تحقق سلاما أبديا، ولم توجد عصرا من الرخاء في أوروبا أو العالم، ولم تضع إطارا مؤسسيا فاعلا لتنظيم العلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية.
بل إنها أخفقت للغاية، لدرجة اعتماد نهج مختلف كليا، عقب الحرب العالمية الثانية، قام على منح دور قيادي أقوى للولايات المتحدة وإنشاء مؤسسات شاملة في أوروبا والعالم. ونتج من ذلك في الربع الثالث من القرن الـ20 نموا اقتصاديا في البلدان الصناعية بوتيرة غير مسبوقة. لكن الذكريات تتوارى، ولن يكون من قبيل المبالغة القول إن أخطاء "فرساي" تعيد نفسها. كانت الولايات المتحدة - آنذاك - طرفا في المفاوضات بشأن المعاهدة، لكنها نفضت يدها من نتائجها، إذ رفضت الانضمام إلى "عصبة الأمم"، ولم تكن مشاركا نشطا في مؤتمر جنوة المنعقد عام 1922 بغرض تعزيز النظام النقدي والمالي الدولي، ولم تدعم جهود "عصبة الأمم" في المفاوضات بشأن وقف الجمارك مؤقتا، وطبقت زيادات استفزازية في جمارك الاستيراد في عامي 1923 و1930 ولم تتنازل عن ديون الحرب المستحقة على حلفائها الأوروبيين، ما أدى إلى تفاقم فوضى التعويضات الألمانية.
وأعادت هذه النزعة الانغلاقية، تأكيد الموجة الانفصالية طويلة الأجل، التي ألقت بظلالها على الفكر السياسي الأمريكي منذ صدور المقال المؤثر للمفكر الأمريكي توماس بين عام 1776 بعنوان "الفطرة السليمة Common Sense" التي ساق فيها حججا ومعارضة لإقامة التحالفات. ونظرا إلى أن الولايات المتحدة يفصلها عن أوروبا ما يزيد على ألفي ميل من مياه المحيط، ظن قادتها أنه كان بإمكانهم تجنب الانخراط في شؤون هذه القارة. ولم تشارك الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى إلا بعد هجوم الغواصات الألمانية على السفن الأمريكية، ما تعذر معه إمكانية الاستمرار في سياسة الحيادية المعمول بها. وبعد الحرب، رفضت الولايات المتحدة الدخول في هذه التحالفات، ولم يقتصر الأمر فقط على تطبيقها جمارك جديدة، بل فرضت قوانين تقييدية على الهجرة.
وأوجه الشبه بين التاريخ وسياسات الجمارك والهجرة الأمريكية الانغلاقية الحالية جلية لا لبس فيها. ويظهر ذلك أيضا في العوامل التي دعمت التوجهات الانفصالية للبلد. فحقبة العشرينيات، مثلها مثل أوائل القرن الـ21، شهدت تغيرات اقتصادية سريعة، واستساغت الفئات التي سبقها الركب لوم الأجانب والحث على فرض الجمارك. وفي العشرينيات، شملت هذه الفئات المزارعين الأمريكيين، ولا سيما أصحاب مزارع الحبوب، الذين عانوا بسبب اتساع حجم الأراضي المزروعة في الأرجنتين وكندا وغيرهما. وفي عام 1930، تم سن قانون سموت - هاولي الجمركي، وكان ينظر إليه في البداية باعتباره إجراء لحماية المزارعين الأمريكيين من الواردات الرخيصة. لكن استخدام الجرارات، وليس المنافسة الاستيرادية، كان السبب الأهم في الحقيقة وراء انخفاض أسعار المزروعات في الولايات المتحدة، لكن كان من الأسهل لوم الأجانب بدلا من كبح جماح التقدم التكنولوجي. أما اليوم، أصبح تراجع أنشطة الصناعة التحويلية، وليس معدل التوظيف في القطاع الزراعي، مصدر القلق، وأصبح المتهم؛ الروبوتات وليس الماكينات الزراعية، لكن رد الفعل السياسي لم يختلف... يتبع.

إنشرها