الحلقات المهنية الضعيفة

|


دون أدنى شك، هناك من القادة من يستخدم مثال التفاحة الفاسدة ليستبعد بعض التفاحات من صندوقه. وهناك آخر يستخدم مثال الأغنام المريضة التي يجب أن تستبعد من القطيع، وآخر يقول سمك القرش سيفتك أولا بالأضعف من الأسماك. وسواء اعتقد القائد أن هذا الفكر سيحفز بقية الموظفين، أو سيرعبهم، أو سيخفف عليه من الحمل، أو سيجعل فريق العمل أكثر قوة وترتيبا، فإن ما نؤكده أن هذه الأفكار موجودة وتتم ممارستها بشكل مستمر. بطبيعة الحال، أحيانا يحدث التطبيق بشكل جيد وأحيانا لا. ولأن الأمان الوظيفي المبالغ فيه يشكل مشكلة كبيرة لأي اقتصاد، لأن الاقتصاد يمر بدورات متعددة والمنشآت تكبر وتصغر وتحتاج إلى التعامل مع مواردها بشكل أكثر حرية. تطورت الأنظمة العمالية في دول العالم بطريقة تعزز من الاستقرار الوظيفي والاقتصادي، وفي الوقت نفسه تسمح بالتخلص من الموارد البشرية الزائدة عن الحاجة، أو الضعيفة، أو المتواضعة، بطرق عادلة للطرفين. لكن في أرض الواقع، هذا ليس ما يحدث دائما.
عندما تتعاظم الضغوط على أي فريق إداري، يبدأ في البحث عن الوسائل التي تمكنه من القيام بحمية إدارية تجعل المنشأة أكثر رشاقة وصحة. وفي تلك اللحظات يبحث المسؤول عن الخيارات المتاحة له وفق السياق والظروف التي يجد نفسه فيها، تنظيميا وقانونيا وثقافيا. هناك طبعا النظاميون الذين يتبعون النظام كما هو ولو على حساب النتيجة – في حالة عدم توافق الخيارات المسموحة مع الأهداف الموضوعة – وهناك المجرمون الانتهازيون الذين يحققون النتيجة المطلوبة بأي طريقة، وهناك المبتكرون الأذكياء الذين يسايرون الظروف والتحديات بدهاء ويخرجون بالنتيجة المطلوبة بأقل خسائر. بكل تأكيد، عاصر معظمنا إحدى هذه الحالات أو سمع بها من جلسائه.
قد يحدث الأثر في مثل هذه الأوضاع بشكل إيجابي أو سلبي، ولكن ربما بطريقة مختلفة على حسب الطرف المتأثر. أول الأطراف الموظف، وهو أحد أهم عناصر المعادلة. والطرف الآخر الشركة أو "المستثمرون"، ولها مصلحتها الاستراتيجية البعيدة ومصلحتها الآنية الحالية. وهناك كبار الموظفين ومتخذو القرار، وغالبا تكون مصالحهم مرتبطة بمؤشرات الأداء في المنشأة ومنافعهم الشخصية وعلاقتها بهذه القرارات. يقول الموظف في معظم الأحيان: "تم تغليب مصلحة المدير على مصلحة الموظف"، ويقول المدير أحيانا: "أنا مضطر لتقديم مصلحة الشركة والعمل الدائمة على مصلحة الموظفين المؤقتة".
لن يستطيع أحد التنبؤ بمستقبل المنشأة التي يعمل فيها، ولا بالظروف النظامية والقانونية التي ستحيط بها بعد سنة أو بضع سنوات، ولا بالتغيير في التوجهات الاستراتيجية الذي يحدث لمعظم المنشآت وبشكل متكرر أحيانا. ولكن، يستطيع أي موظف، أن يقلل من احتمالية أن يكون التفاحة التي يتم اختيارها للاستبعاد أو السمكة الأضعف التي يفتك بها القرش. وهنا نحن لا نعالج الظروف التي صنعت هذا الوضع غير المريح، ولا نحاول تعديل القرارات التي يتم تنفيذها، بل بكل بساطة نتفادى الضرر بأبسط طريقة ممكنة.
تفادي المخاطر المهنية مطلب مهم لكل مهني يحترم مهنته ويسعى لتحقيق النجاح المهني والشخصي. ومن إدارة المخاطر المهنية، التحسين المستمر للملف الذاتي، وهذا يشمل المظهر و"البراند" والشهادات، وقبل ذلك تحسين الأداء ورفع مستواه وجودته بشكل ملحوظ، ودون شك تطوير العلاقات والحضور والثقة. المهم أن تصل نتيجة التحسين إلى مستوى معقول يمكن الشخص من الابتعاد عن قائمة الضحايا المحتملة، عن المرشحين للاستبعاد، عن طابور المتأثرين بالتوجه الجديد والقرار الصعب.
لن يحسن الاعتراض على الواقع بشكل مباشر، لأن الاعتراض يعبر عن ردة الفعل العاطفية لا أكثر، وحتى لو كان الاعتراض مبنيا على أسباب صحيحة، فالتعويض سيحصل بعد وقت، وخسارة الوقت والجهد لا تعوض. في الحقيقة كل تصرف مبني على ردة الفعل المباشرة لن يغير من الواقع شيئا كثيرا. أفضل التصرفات تلك التي تحدث قبل الحدث، تلك التي تكون إعدادية تحضيرية، يشكل بها الموظف حاجز مناعة من مثل هذه الظروف، بمهاراته وثقته بنفسه، وبقدرته على الانتقال من أرض إلى أخرى ومن منشأة إلى أخرى؛ بقياس مستوى الطلب على إمكانياته في سوق الفرص. هي ليست دعوة للتنقل الوظيفي، ولكن القدرة على التنقل الوظيفي من أفضل المقاييس على الثبات في مقر العمل الحالي، وأكثر الناس استقرارا في عمله من يملك القدرة على تركه ولا يتركه، والعكس صحيح.

إنشرها