كوريا والقيمة المضافة «2»

|


عودا على بدء، تناولت في المقال السابق العلاقات التاريخية بين المملكة وكوريا التي امتدت إلى قرابة نصف قرن. سلطت الضوء بعد ذلك على زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد إلى كوريا وما تخللها من اتفاقيات ومذكرات تفاهم ستصب في مصلحة الدولتين وستسهم بفاعلية في تنميتهما. عرجت بعد ذلك بالأرقام على العلاقات الاقتصادية، من حجم التبادل التجاري بينهما، مرورا بقيمة الصادرات السعودية إلى كوريا، وفي المقابل قيمة الصادرات الكورية إلى السعودية، وأخيرا تناولت دور كوريا في "رؤية السعودية 2030" وما هي القطاعات التي تم الاتفاق عليها وآلية متابعة تنفيذها. اختتمت المقال السابق بسؤالين سأجيب عنهما في هذا المقال وهما، "ماذا عن الاستثمارات الكورية في السعودية؟"، "وما القيمة المضافة من هذه الاستثمارات على الاقتصاد السعودي؟" كوريا تحتل المرتبة الـ14 من حيث الناتج المحلي، وهي من أسرع دول العالم نموا اقتصاديا ومن أكبر اقتصادات آسيا، وكما أن لها تجربة فريدة في بناء اقتصاد منتج وفاعل ومؤثر، وهي تجربة مميزة يمكن الاستفادة منها ومحاكاتها بلا شك، فالتحرر من النفط والتحول من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج من أهم أهداف "الرؤية" المباركة.
أعتقد أن كوريا تعي تماما أن السعودية أرض خصبة للاستثمار وسوق واعدة على أسس رصينة، ولذلك أتوقع أن يرتفع حجم الاستثمارات الكورية خلال الفترة القريبة المقبلة في قطاعات مختلفة صناعية وخدمية وبحثية. عوامل الجذب السعودية للاستثمار الأجنبي ومن أهمها الاستقرار الاقتصادي والسياسي والأمني الذي من الله به على وطننا الغالي تحت راية قيادة رشيدة ستفتح الأبواب للاستثمار الكوري المباشر والدخول في شراكات مع شركات سعودية سواء كانت شركات صغيرة أو متوسطة أو كبيرة. الكوادر الكورية كوادر عالية التدريب والانضباط والحرفية، والصناعات الكورية صناعات مميزة وذات تقنيات عالية وجودة يشار إليها بالبنان. كوريا وشركاتها المميزة في مختلف القطاعات وخصوصا القطاع الصناعي، خيار مميز لتوطين بعض الصناعات، وأرى في ذلك فرصة مميزة لرواد الأعمال السعوديين والشركات الناشئة على وجه الخصوص للبحث عن شريك تقني كوري متميز في منتج ما أو صناعة معينة.
تبدأ العلاقة بتوريد المنتج وتقديم الخدمات المصاحبة له، ومن ثم تنتقل إلى مرحلة التجميع وصولا إلى توطين هذه الصناعة. نموذج العمل السابق مناسب ويمكن تحقيقه مع التقنيات المشاعة، وأقصد هنا التقنيات غير المرتبطة ببراءات اختراع، أما التقنيات غير المشاعة فيصعب نقلها وتوطينها بشكل كامل، وهذا لا يعني انتفاء المنفعة كليا. الدخول في شراكات بنسب مختلفة مع شركات من هذا النوع وإن كان بنسب ضئيلة سيكون له مردود إيجابي على الكوادر السعودية التي ستحتك بالكوادر الكورية وستخرج من رحم هذه الشركات مستقبلا شركات سعودية بتقنيات منافسة ولو بعد حين. دور القطاع الخاص مهم في تنمية اقتصادات الدول، والشركات الصغيرة والمتوسطة أهم محرك لهذه الاقتصادات، والصناعة هي الباب الكبير نحو اقتصاد منتج فاعل، ولتحقيق ذلك يجب تعاون جميع الجهات ذات الصلة لفتح هذا الباب على مصراعيه وألا يوصد أبدا.

إنشرها