«أبشر» و«فرجت» ابتكار للمفهوم الإسلامي

|


لا يمكن وصف تطبيق أبشر "خدمات وزارة الداخلية" بأقل من إنجاز كبير، ولهذا يجب علينا تقديم الشكر الجزيل لكل من أسهم في هذا المشروع الرائع بكل تفاصيله، أنت اليوم على ثقة بمعلوماتك الشخصية أكثر من أي قت مضى، وتديرها من أي مكان وزمان، ومع تكامل الخدمات تجد الوثائق تطرق باب منزلك، هنا فقط يمكن للذين عاشوا فترة أرقام الانتظار على أبواب الخدمات واكتشاف من استغل سجلاتهم للاستقدام أو الكفالة أن يحدثوا هذا الجيل عن ذلك الزمن الصعب، لذا يجب علينا أن نشكر كل من بذل جهدا أو رأيا أو أسهم ولو بالقليل في هذا الإنجاز «أبشر».
«أبشر» يضع أصحاب المصلحة أساسا للخدمة، ويضع النزاهة، والقيم، كأبرز قضايا الحوكمة، التي يعزز هذا التطبيق من مفاهيمها، لكن مزايا هذا التطبيق تبدو أعمق وأكبر من مجرد تطبيق تنفيذي تقني تفاعلي للإجراءات والأنظمة الحكومية، بل لقد أثبت خلال الأيام القليلة الماضية أنه سيكون أبرع فكرة إسلامية المنهج وتطبيقا مبتكرا لتطبيق الفكر الإسلامي الاقتصادي في أروع صورة، إنه "أبشر" مع مشروع "فرجت".
لقد أتى الإسلام بفكر لم يسبق له مثيل في جانب التكافل الاجتماعي المؤدي إلى رواج اقتصادي، ذلك أن النظرية الرأسمالية بكل تفاصيلها لم تنظر إلى تكافل اجتماعي يؤدي إلى رواج اقتصادي بل كانت وما زالت ترى دعم الفقراء كإنفاق اقتصادي غير منتج، بل وصل الأمر في مرحلة ما من مراحل الفكر المتطرف لهذه النظرية، أن رأت موت الفقراء كعمل الطبيعة الانتخابي، وفق قاعدة البقاء للأصلح، الذي من الخطأ اعتراضه، لكن الإسلام بتعاليمه السمحة يرى الفقراء جزءا من الاقتصاد، وأننا كمجتمع يأتينا الرزق بسبب فقرائنا، وليس أغنيائنا، ولهذا حديث يطول، فالإسلام يرى أن فقر الفقراء إنما هو بسبب تعطيل عوامل الإنتاج من قبل الرأسمالية الاحتكارية، التي ترى الادخار جزءا أساسا من أجل تعظيم الإنفاق في المستقبل، لكن التطبيقات الفعلية لهذا التنظير تقف عند مرحلتي الادخار والاستثمار، ولا يحدث الإنفاق إلا في حدوده الضيقة بما يحققه الترفيه والمتعة للغني، ومع الرغبة الجامحة نحو تعظيم العوائد، فإن الاستثمار بدوره يتجه للربا الذي يعظم الأموال دون وسائل الإنتاج، وينتج حالة التركيز الرأسمالي، حيث تجد الرأسمالي في جميع الأنشطة من بنوك وعقارات وحتى مغسلة سيارات، وهي الحالة التي تتسبب في الفقر، لهذا يرى الإسلام أن الادخار الجائر والاستثمار الربوي يمنعان عوامل الإنتاج عن الحركة الاقتصادية، ولهذا فإنه يفرض على المدخرين دفع تعويضات للمتضررين على شكل زكاة، كلما حال الحول على المال المدخر ويحرم الربا. هكذا يصبح مال الزكاة هو حق أصيل للفقراء، وليس منحة من أصحاب المال، لكن كما يقال «بقي في نفسي من حتى شيء».
ففي الوقت الذي يضع الإسلام مصارف ثمانية للزكاة كتأكيد على أهمية الدور الاقتصادي لها في المساهمة في بناء عوامل الإنتاج وتوزيع الثروة بين أصحاب المصلحة المتأثرين من كنز الأموال عند الرأسماليين، تجد معظم أموال الزكاة تذهب لمصرف واحد فقط وهم الفقراء "مع افتراض صحة قياس الفقر"، بينما هذه المصارف في الحقيقة تتوزع بين الفقراء والمساكين والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين، وابن السبيل وفي سبيل الله، لذا فإن التركيز على فئة دون الباقي تعطيل لمفهوم الزكاة ودورها الاقتصادي، وهذا ما يشعر الناس– في نظري- بعدم فعالية تأثير الزكاة اقتصاديا، وينتج اتهامات لأغنياء المسلمين بعدم الدفع، ولهذا فإن المسألة كانت في وجود قنوات موثوقة وشرعية للوصول إلى هذه المصارف، هنا تتجلى أمامي روعة ابتكار مشروع "فرجت"، حيث إنه يحرك ما تعطل من آليات الزكاة، ويفتح الباب لمصراعيه حتى تحصل فئة من أهم فئات المجتمع المستحقة للزكاة وهم «الغارمون» على حقها. ليتحقق معنى أعظم من مجرد مشكلة اقتصادية، بل مجتمع متراحم، كالبنيان المرصوص، هنا على وزارة الداخلية أن ترفع لكل منظمات حقوق الإنسان أيكم لديه مشروع "فرجت".
ليس هناك في السنوات الأخيرة "في اعتقادي المتواضع" إنجاز تقني بحجم "أبشر" ومشروع "فرجت"، ومما زاد هذا المشروع قيمة وأصالة ونفعا، ما قام به خادم الحرمين الشريفين من إضافة مزيد من الثقة والدعم عندما تبرع بمبلغ عشرة ملايين ريال لصالح المستفيدين العسكريين من مشرع "فرجت"، ثم جاء تبرع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بمبلغ خمسة ملايين ريال، وكذلك تبرع الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف، وزير الداخلية بمبلغ مليوني ريال، ولا شك في أن هذا التبرع السخي يشجع الأغنياء على مزيد من الثقة والتعامل مع مشروع "فرجت"، فالمشروع من هذا الجانب يدعم جميع أوجه العمل الخيري ويصحح مساراته، وهنا بالذات نجد أن مشروع "فرجت" يأتي ضمن سلسلة مشاريع هدفها إصلاح حوكمة الدعم الخيري ليصل إلى مستحقيه فعلا، تحت إشراف مؤسسات حكومية تخضع لأعلى إشراف رقابي، وهو وزير الداخلية، وكل ذلك، وفقا لما نصت عليه الشريعة الإسلامية، ولعلنا هنا نتذكر مشروع منصة "جود" لدعم السكن الخيري، التي أطلقت في رمضان من هذا العام بتبرع سخي من لدن خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين.
العمل الخيري في الإسلام ليس بلا قواعد وليس بلا حوكمة، ولكننا نحن في حاجة إلى إعادة اكتشاف الأدوات العصرية، التي تحقق مفهوم الشريعة الإسلامية الواضح والصحيح في هذا الجانب وفي غيره، يأتي مشروع تطبيق "أبشر" ومعه مشروع "فرجت"، ليحقق معنى الابتكار الإسلامي، على أن الابتكار ليس مجرد جهاز أو تطبيق، بل هو فوق كل شيء وقبله "ابتكار للمفهوم".

إنشرها