حين يصل الغش إلى اختبار القيم

|


في الماضي، في زمن الآباء والأجداد، كان من الصعب على أحد التحدث عن القيم والأخلاق بهذه الطريقة التي نتحدث بها اليوم، ولم يكن أحد يطالب أن تصبح القيم مكتوبة، وأن نتعلم معنى النزاهة، وأن يكون للصدق معيار، وأن للأخلاق مدونة ودليلا، ذلك أن مثل هذه المطالبات مستهجنة صراحة أو ضمنا، إذ كيف سيعمل الناس معا إذا بلغ بهم الشك وبينهم حد القيم. في ذلك الزمن الماضي لم يكن من المقبول ولا المعروف أن تطلب من أحد الالتزام بالنزاهة والأخلاق، فضلا عن أن تطلب منه أن يثبت ذلك. فقبول الشك في هذه الأصول يجعل بنيان العلاقات الإنسانية ينهار، ويصبح إثبات القيم في دور لا ينتهي، فكما يحق لك الشك في قيم الآخرين والتزامهم بالأخلاق، فلهم أيضا الحق في الشك بما لديك منها، وبذلك لم يعد لمسلّمة القيم والالتزام بها وجود. والمعنى هنا، أنه في حال طلبت من الآخر أن يثبت التزامه، فإن الشك سيتعدى إلى من منحه الإثبات، وهل من منح الإثبات ملتزم بالقيم أم يحتاج إلى من يثبت ذلك؟ وهكذا في شك سرمدي، تنهار معه كل العلاقات ويصبح الصراع سيد الموقف.
أقول هذا بعد أن وردت أخبار صحافية عن تورط شركة عالمية في المحاسبة والاستشارات في فضيحة اجتياز موظفيها لاختبارات مهنية متعلقة بالأخلاق والنزاهة، وتم اكتشاف هذا الأمر من قبل هيئة الأوراق المالية الأمريكية SEC التي قررت تغريم الشركة مبلغ 50 مليون دولار، لكن المسألة لم تقف هنا، فقد تم تتبع هذه القضية عندما اكتشف أن عددا من كبار التنفيذيين في هذه الشركة العالمية عدلوا نتائج عمليات قاموا بها من قبل، وذلك لتجنب إجراءات الفحص الروتينية الدورية التي يقوم بها مجلس الإشراف على المهنة المسمى Public Company Accounting Oversight Board. ولفهم كيف عرف هؤلاء التنفيذيون بعمليات المجلس، تبين أن هذه الشركة العالمية نفذت علمية اختراق موسعة لموقع هذه المؤسسات الإشرافية، وأنه تم الحصول خلال تلك العملية على إجابات الأسئلة للاختبارات المهنية المتعلقة بالنزاهة والأخلاق، كما تم من خلال الاختراق التلاعب بنتائج الاختبارات، حيث تم تعديل درجة الاجتياز. والسؤال الكبير الذي يتبادر إلى الذهن، هل بقي من الأخلاق والنزاهة والقيم ما يمكن أن نستند إليه؟ هل أصبحت المكيافيلية سياسية الأمر الواقع؟ لقد بحت الأصوات من قبل جميع المؤسسات التي تنظم موضوع الحوكمة، الذي يقضي في أول مبادئه بإرساء قيم النزاهة والأخلاق، وكان هناك شك عميق في وجودها، وأثبتت الأيام أن هذا الشك صحيح، مع الأسف.
يطالب كل من عمل في مجالات الحوكمة أن تكون النزاهة والقيم وسيادة القانون أصلا في جميع أعمال المنشأة، وأن تكون سلوكا أساسيا وبارزا لدى الإدارة العليا، وتعمل على بث هذه القضايا في جميع أركان المؤسسة. لكن من خلال الممارسات التي تظهر، مثل هذه التي قامت بها الشركة العالمية، فإن مجرد الادعاء بوجود هذه القيم يحتاج إلى دليل موضوعي، ويحتاج إلى من يؤكد وجودها، وإذا كان اختبار مهني في الأخلاق والقيم والنزاهة يمثل دليلا موضوعيا على الاهتمام بهذه الجوانب أصبح مشكوكا فيه، فإن الشك في أن القائمين على هذه الامتحانات وهذه المؤشرات وهذه المقاييس، يحتاجون أيضا إلى من يثبت أنهم التزموا بالأخلاق والقيم أثناء تنفيذهم اختبارات النزاهة والقيم للآخرين، هكذا تصبح المأساة في أكمل صورها. ولا أنكر هنا أن هذا المقال بلغ به التشاؤم حدا كبيرا لدرجة نظن أن القائمين بتقديم شهادة النزاهة والقيم هم بذاتهم لا يستحقونها، لكن النتائج الصادمة لما قامت به الشركة العالمية يجعلنا في وضع تشاؤمي، فهذه الشركات تقدم الاستشارات وتقيم النزاهة والحوكمة في المنشآت المختلفة، بل وتقوم بأعمال من بينها فحص الاحتيال والغش. وإذا كانت مؤسسات دولية كبرى تعرضت للاختراق بشأن عمليات الرقابة والفحص والاختبارات المهنية، فهل المؤسسات الأقل منها إمكانات تعد محصنة من ذلك؟ هنا أقول وأتساءل: ماذا يحدث في العالم؟ وأرى بعين تشاؤمية أنه لم يعد هناك فرصة أمامنا كي نقول إننا قد ضمنا أن الطرف الآخر سيتصرف بنزاهة، مهما رفع من شعاراتها ومن اختبارات ومن لوائح وأدلة. لعلي لا أجد حلا أكثر من المطالبة بعقد حوارات ومناقشات جادة حول هذه العضلة التي تواجه العالم.

إنشرها