تطبيق فاشل لمؤشرات الأداء

|


عندما تطبق إدارة الأداء بمؤشراتها وأدواتها على الورق فقط، ففعليا لم يطبق شيء. لذا الفشل هنا ليس فشلا في التطبيق وإنما فشل في التصميم والتحرك، إذ لم تطرح آليات التفعيل والتنفيذ بشكل يمكن تحويله إلى واقع مشاهد يمكن قياسه والاستفادة منه. وعندما نذكر فشل تطبيق برامج إدارة الأداء ومؤشرات الأداء كأدوات عملية مجربة ومشهود لها، فالمقصد يعود إلى تطبيق فعلي وليس على الورق فقط. طرحت في هذه الحالة آليات التفعيل والتنفيذ ولكن لم تتم إدارة المقاومة بشكل جيد، أو لم تهيأ الثقافة لاستيعاب الترتيب الجديد، أو لم يعالج سوء الفهم بطريقة ذكية فاعلة وغير ذلك من الأسباب. لهذا ينحرف التطبيق عن الوجهة المقصودة ويسقط في حفرة من حفر الفشل. من التجارب المثيرة التي يمكن مشاهدتها محليا، قصة لشركة مبادرة صنعت من هذه الأدوات خريطة طريق حاول انتشالها فيها قائدها الجديد من وضعها المتدهور. ولكن، لسوء الحظ – وربما لسوء إدارته – لم تتحقق النتيجة المطلوبة.
سأذكر قصة هذا المدير الذي عمل واجتهد ولكن توقفت اجتهاداته عند نقطة معينة لم يتمكن من تجاوزها. كانت المؤسسة في البداية تدير مجموعة محدودة من الأعمال، وكانت محدودة لدرجة أن نموذج العمل رشيق جدا، بموردين محدودين وعملاء محدودين، وجميعهم ثقات متفاهمون. لذا، تمكنت هذه المؤسسة من تحقيق أرباح جيدة لفترة معقولة، فكر فيها الملاك بعد ذلك في التوسع، وقاموا بتوظيف هذا المدير الجديد للقيام بهذه المهمة. من رسائلهم إليه، أن الوضع السابق يعكس قوة الشركة وكفاءة نموذجها، وأن التوسع ينبغي أن يكون على حذر، وأن بقية التفاصيل ملك له. له أن يدير الشركة كما يحب، المهم، أن يستمر في تحقيق الأرباح، وأن يوسع قاعدة العمل، وأن يحافظ على سعادة الموردين والعملاء.
بدأ هذا المدير ببناء فريقه الخاص، ومن شدة ذكائه التي ربما تكون أعلى من المطلوب تمكن خلال فترة وجيزة من بناء خلايا وشبكات داخل الشركة تنقل له الأخبار أولا بأول، وقرب منه الثقات الأمناء – كما يراهم – وتجاهل بطبيعة الحال البقية. وحرص على أن تكون أول كلماته الموجهة للموظفين صارمة وواضحة. وبدأ عمليا في البحث عن الأرباح.
انتهت السنة الأولى من دون فارق كبير عن سابقتها، واعتبرت سنة التحول وتثبيت الوضع الجديد. شعر الملاك ببعض التراخي ولكنهم سمعوا العذر وقبلوه: "سنة التحول!" وقرروا أن بعض التحسينات في مؤشرات الأداء مطلب مهم. بدأت السنة الثانية، وكانت ملامح الشركة "الجديدة" متغيرة فعليا عن وضعها السابق كمؤسسة صغيرة مدرة للربح، ولكن هذا التغيير لم يكن إيجابيا. أولا، لم تنتج مؤشرات الأداء بنسختها الأصلية أو المعدلة عن ترتيب واضح لأولويات الشركة يصنع الرابط بين توقعات الملاك وبين قدرات الشركة الحالية. هناك حالات متعددة لعدم التوافق، إما مؤشرات لا تسهم في بناء الاستراتيجية أو توقعات الملاك، أو مؤشر لا يمكن – بالموارد الحالية - تنفيذه كما يجب. ثانيا، كان الضغط الناتج من مجلس الإدارة على الرئيس يتحول إلى مزيد من الرسائل السلبية التي تخرج من الرئيس إلى موظفيه، ظنا منه أن هذا دفع إيجابي نحو أداء أفضل. ولكن ما كان يحصل فعليا هو تدهور كبير للمزاج العام، ورسائل ملغمة بالتهديد والشتم والتهزيء. لم يشعر الرئيس المنشغل بتحقيق الأرباح بحجم السخط الذي بدأ يتراكم في الإدارات المختلفة، فهو يضغط لمزيد من المبيعات، ويسقط في الوقت نفسه على الموظفين ومدرائهم بشكل مستمر ونشط. ثالثا لم يتمكن المدير المشغول من معالجة الترسبات الثقافية التي تستحق الاستبعاد في المؤسسة، بل زادها تعقيدا وجعل الوضع أسوأ، إذ كوّن مزيدا من المطبات وفرص إطلاق التوجسات والشكوك والشائعات. انشغل هذا المدير بتحقيق النتائج عن الإصلاحات الهيكلية على مستوى الإجراءات، أو تفكيك الأقسام المنغلقة على نفسها، أو معالجة السياسات بشكل مركزي موحد، أو البحث عن الجودة، أو حتى إعلام موظفيه بأنه يبحث عن الجودة. كانت رسائله تنحصر في مسائل الانضباط والاهتمام محوطة بالتهديد المباشر، ومعاقبة المفرطين، ومجازاة الضائعين.
لا يؤمن هذا الرئيس بالحدس باستثناء حدسه هو، ويعتقد أن وجهة نظره حول الأمور ستصيب عاجلا أم آجلا. بالطبع لم يحدث هذا. على العكس، فقدت الشركة الجديدة معظم مكتسبات المؤسسة السابقة، بما في ذلك علاقتها الجيدة مع الموردين والعملاء. علاقات سيئة، ونموذج متوسع مضطرب، وموظفين ساخطين، أصبح في الطرف البعيد تماما عما كان يتحدث عنه، أبعد ما يكون عن النجاح. المعادلة التي فشلت فيها هذه الشركة أكبر من مشكلة مؤشرات الأداء، وهذا ما يحدث في كثير من الأحوال، عندما تجتمع الرسائل السلبية اللاقيادية، مع البيئة التي لا تتم السيطرة عليها ولا يعمل أحد على تحسينها، مع برنامج متواضع لإدارة الأداء.

إنشرها