الإصلاحات الجديدة في منظمة التجارة .. ضرورة

|


في ظل الحرب التجارية الراهنة، ولا سيما تلك القائمة بين الولايات المتحدة والصين، يتصاعد الحديث حول ضرورة إدخال إصلاحات جديدة على منظمة التجارة العالمية. ويبدو أن ذلك بات ضروريا، ليس فقط بسبب "الحرب" المشار إليها والمعارك التجارية هنا وهناك، بل لحل كثير من الخلافات القائمة أصلا، التي لا ترقى بعد إلى مستوى الحرب التجارية. والمطالبة بإصلاح "منظمة التجارة" ليست جديدة، بل تعود إلى أكثر من عقد من الزمن، ومع وجود إدارة الرئيس دونالد ترمب في السلطة في واشنطن زاد الحديث عنها، لأن هذه الإدارة تعد المنظمة ظالمة للولايات المتحدة تجاريا، ناهيك عن التوجه الحمائي الأمريكي في العامين الماضيين، الذي يأتي ضمن نطاق الوعود التي أطلقها ترمب لناخبيه قبل الانتخابات التي أوصلته إلى الرئاسة.
واشنطن تعتقد أنها مظلومة تجاريا، ولذلك تتحرك من جانب واحد لرفع هذا الظلم عنها. فقامت بالتوقيع على اتفاقية تجارية مع كل من كندا والمكسيك تحل محل اتفاق "نافتا" الشهير. كما أجرت محادثات مع عدد من الدول الغربية الكبرى لبحث "الظلم" التجاري الواقع عليها، ولا سيما مع ألمانيا وفرنسا وغيرهما. المهم الآن، هناك اتفاق شبه دولي على ضرورة إدخال الإصلاحات الضرورية على "منظمة التجارة". والمسألة لا تتعلق بالرسوم الجمركية فقط، بل بمجموعة من القضايا، بما فيها، مثلا، التعامل الواقعي مع شركات التكنولوجيا الكبيرة، وسرقة بعض الدول تكنولوجيا غيرها، والتلاعب في العملات الوطنية في بعض الدول، من أجل رفع وتيرة صادراتها، وغير ذلك من مسائل تخص التجارة بشكل عام.
في اجتماعاتهم الأخيرة اتفق المسؤولون في مجموعة العشرين على ضرورة بحث مسألة الإصلاحات في "منظمة التجارة". وهذه "المجموعة" تستحوذ على 90 في المائة من الاقتصاد العالمي، ما يعني أن خطوتها ستحقق النجاح المطلوب، خصوصا إذا تمكنت، حقا، من إقناع الإدارة الأمريكية الحالية بأنها عازمة على الوصول إلى هذه الإصلاحات. ومجموعة العشرين هي المكان الأمثل لتحقيق أي إنجاز عالمي على الصعيد الاقتصادي، ولا سيما بعد أن اتخذت زمام المبادرة العالمية في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، التي انفجرت في عام 2008. والحق أن الإصلاحات مسؤولية أساسية لهذه المجموعة. ومن هنا يمكننا النظر إلى التفاهم الأخير فيها حول الإصلاحات.
هناك كثير من المسائل التي لا بد أن يتم وضعها على الطاولة في مسيرة الإصلاحات المشار إليها، إذا ما بدأت هذه المسيرة. والعالم يعرف أنه لا يمكن المضي قدما دون اتفاق الدول الكبرى المؤثرة في الساحة الدولية. كل هذا يأتي، بعد أن اعترف ممثلو الدول في مجموعة العشرين باحتمال هبوب رياح اقتصادية معاكسة على الصعيد العالمي، بسبب تفاقم الخلافات التجارية. ما يعني أن الاعتراف في حد ذاته خطوة إلى الأمام، أما الخطوة المقبلة فليست أقل من بدء العمل الحقيقي للوصول إلى الإصلاحات المطلوبة. لكن هناك مشكلة تتعلق بأن مثل هذه المفاوضات والمباحثات تستغرق وقتا طويلا، يرى بعض الحكومات أن العالم لا يستطيع أن يتحمله، خصوصا مع الاتفاق على أن النمو الاقتصادي العالمي سيواجه التباطؤ في العام الجاري، وسيستقر في العام المقبل. وعلى هذا الأساس، لا بد من العمل الجماعي المخلص، لتخليص العالم من حرب تجارية قد تتسع رقعتها، لتصل إلى مناطق هادئة اقتصاديا وتجاريا.

إنشرها