التستر بين تسهيل الإجراءات وحماية المبلّغ والتاجر

|

 

التستر التجاري يمثل مشكلة اقتصادية ذات أبعاد اجتماعية، ويعرفه النظام بأنه غير السعودي الذي يعمل لحسابه الخاص، بتمكين من السعودي أو المستثمر الأجنبي، في نشاط محظور عليه، سـواء كـان ذلك عن طـريق استعمال اسمه أو ترخيصه أو سجله التجـاري أو بأي طريقـة أخرى. وعلى الرغم من سهولة التعريف وبالتالي سهولة اكتشاف التستر إلا أنه لم يزل يمثل ظاهرة يصعب السيطرة عليها، حيث يعمل الأجانب القادمون إلى المملكة بتأشيرات عمال أو موظفين، خارج إطار التأشيرة التي منحت نظاما لهم، وذلك لأهداف عدة من بينها التهرب الضريبي والتهرب من التوطين، وغيرها من المتطلبات النظامية التي يجب الالتزام بها، كما أن ذلك يربك الإحصاءات وبالتالي خطط الدولة التنموية، ويتسبب في إغراق سوق العمل وأيضا زيادة نسب نمو التحويلات الأجنبية إلى الخارج ما يشكل ضغطا على العملة، ويستنزف الاحتياطي من العملة الأجنبية. والمملكة إذ تحارب هذه الظاهرة فإنها لا تمنع استثمار الأجنبي فيها ولهذا أطلقت برامج عدة من بينها برامج الاستثمار الأجنبي، وجذب الاستثمارات، وأخيرا تم إطلاق برنامج الإقامة المميزة، حيث يمكن للأجنبي ممارسة جميع الأنشطة الاقتصادية والتملك بشكل نظامي إذا كان يريد القدوم إلى المملكة لهذه الأغراض ودون تحديد لأي سقف، أو نشاط، لكن العمل خارج إطار النظام وفي الخفاء هو فعل مجرم نظاما لأنه يعد من اقتصاديات الظل التي تربك جميع الخطط الاقتصادية وتستنزف ثروات البلاد، ومن الغريب أن يجد الأجنبي القادم بتأشيرة عمل فرصا للاستثمار تحت غطاء المواطن، ولهذا الأمر صدر الأمر السامي بالموافقة على توصيات البرنامج الوطني لمكافحة التستر وطرحت وزارة التجارة والاستثمار مشروعا جديدا لنظام مكافحة التستر لآراء العموم والمهتمين، بهدف إيجاد حلول جذرية للتستر التجاري.
ولأن استثمار الأجنبي في المملكة متاح وبأنظمة ميسرة تضمن للاقتصاد السعودي حقوقه وتضمن للأجنبي حقوقه أيضا، فإن ملاحقة وتجريم التضييق على التستر التجاري أمر في غاية الأهمية اليوم، ويأتي من خلال توحيد الجهود وتطوير الأنظمة والتشريعات وتعزيز التوعية، ولهذا فإن المادتين الخامسة والسادسة من مواد مشروع النظام المقترح أصلحتا تعريف التستر، حيث أكدتا أن الأمر متاح للاستثمار الأجنبي النظامي وأن المخالفة تقع على الاستثمار خارج إطار النظام وأكدتا على كل منشأة منح غير السعودي – إن لم يكن مستثمرا نظاميا – أدوات تؤدي إلى التصرف على نحو مطلق في المنشأة، كما يحظر على غير السعودي استخدام حسابات مصرفية غير حسابات المنشأة لإيداع وتحويل أموال مرتبطة بأعمالها. وهنا نلاحظ تطورا كبيرا في تحديد ماهية التستر، وهذا تعريف إجرائي مميز، حيث إن التمكين المطلق للأجنبي من أعمال المنشأة هو نوع من التستر، وإن قيام الأجنبي بإيداع أموال المنشأة في أي حساب غير حسابات المنشأة يعد تسترا، وبهذا فإن على العموم ملاحظة هذه التعديلات المهمة، حيث أصبح من السهل تحديد التستر الآن، حتى على المواطن العادي، فإذا كان العامل الأجنبي يتصرف وكأنه المالك فإن على المواطن التبليغ فورا، وهنا تظهر بوضوح أهمية المبلغين عن التستر.
لصعوبة اكتشاف التستر من قبل الجهات النظامية فإن دور المبلغين يعد جوهريا هنا، ويؤكد النظام المقترح أنه يحظر على أي شخص تنفيذ النظام بأي وسيلة، بما في ذلك عدم الإفصاح عن المعلومات، أو تنبيه أي من المشتبه فيهم في جرائم ومخالفات النظام بشكل مباشر أو غير مباشر خلال مرحلة البحث أو التحري، والاعتداء على الشهود أو المبلغين أو تهديدهم أو التأثير فيهم. ويجب على العموم ملاحظة هذه الأحكام، وخاصة العمال الأجانب العاملين في الأنشطة المختلفة، فقد يكون العامل نظاميا ولا يعمل في التستر ولكن يساعد عمالا آخرين على ذلك أو يمنع الأجهزة الحكومية أو يخفي عنهم معلومات تتعلق بأنشطة الآخر، وأيضا موظفي المصارف ذلك أن العقوبات في النظام تصل إلى السجن خمس سنوات وغرامة خمسة ملايين ريال وفي المقابل هناك الحفاظ على سرية هوية المبلغين ومكافأة مالية تصل إلى 30 في المائة من الغرامة المحصلة ولحماية المنشآت والتجار من الاعتداء على سمعتهم التجارية فإن النظام كفل ذلك من خلال معاقبة كل من بلغ بسوء قصد عن واقعة غير صحيحة وللمتضرر المطالبة بتعويضه عما لحقه من ضرر.
من خلال هذه القراءة الموجزة نجد أن النظام المقترح هو الأفضل حتى الآن، ويقدم حلولا أكثر فاعلية لجريمة التستر، ويضع إطارا واضحا يرسم جميع العلاقات النظامية بين الأطراف كافة.

إنشرها