الاقتصادات الناشئة والحرب التجارية

|


تتفق المؤسسات الاقتصادية الدولية على أن الحرب التجارية "أيا كانت" تؤثر بصورة مباشرة في وضعية الاقتصادات الناشئة. ولهذا السبب "مثلا" أكد صندوق النقد الدولي في كل المناسبات ضرورة الإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة في هذه الاقتصادات، من أجل تحريكها وسط الفوضى التجارية الراهنة. والحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين ليست الوحيدة، بل يمكننا القول إن هناك معارك تجارية بجانبها، تشمل دولا أوروبية كبرى، وحاليا عادت المكسيك إلى الواجهة في هذه المعارك. لكن ما يحدث بين بكين وواشنطن هو الأكبر، نظرا إلى أن كلا الاقتصادين في البلدين يمثلان الرقم الأول والثاني في قائمة أكبر الاقتصادات قاطبة، فضلا عن تشعب العلاقات التجارية بين الطرفين مع بقية بلدان العالم.
دون شك، فإن الحمائية تشكل "الوحش" الأكبر بالنسبة للتبادل التجاري الحر، وشهد العالم هذه الحمائية في الولايات المتحدة، مع إصرار الإدارة الأمريكية على أنها تقوم بما يصب في المصلحة الوطنية، وإن بلادها تتعرض للظلم التجاري منذ عقود، وإن الإدارات الأمريكية السابقة لم تقم بما يكفي لرفع هذا الظلم. وقبل أشهر صارت مواجهة تجارية شهيرة بين الولايات المتحدة وألمانيا، مع جعل موضوع الحمائية يعود بصورة قوية إلى الساحة العالمية. حتى العلاقات التاريخية القوية بين الولايات المتحدة وأوروبا لن تقلل من فداحة انفجار أي حرب تجارية بينهما، فالعالم يشهد الآن معارك متفرقة على هذه "الجبهة".
من هنا، فإن تأثيرات الحرب التجارية وما يصاحبها من حمائية كبيرة، في الاقتصاد العالمي كله، الذي من المتوقع ألا ينمو أكثر من 2.6 في المائة هذا العام. وتضرب بشكل أكبر الاقتصادات في الدول الناشئة، بمن في ذلك المستهلكون الذين يدفعون الثمن باهظا بسبب هذه الحرب والمعارك التجارية بشكل عام. والحق، أن هذه الحرب بدأت تظهر نتائجها على الساحة بصورة جلية. فتدفقات التجارة الصينية إلى الولايات المتحدة تراجعت 9 في المائة في الربع الأول من العام الجاري، وما يشبه ذلك يحدث بالنسبة إلى التجارة الأمريكية باتجاه الصين. وهذا دفع رؤوس الأموال - كما هو واضح من خلال الأرقام الأخيرة - إلى الابتعاد عن المخاطرة، ما يضرب مباشرة الحراك التجاري والاستثماري في البلدان الناشئة.
لا شيء سيكون واضحا حول وضعية الأسواق الناشئة قبل أن تنجلي رياح الحرب التجارية الراهنة بين واشنطن وبكين. فكل شيء بات مرتبطا بهذه الحرب، حتى بالنسبة إلى البلدان الأخرى المتقدمة. والمشكلة هنا، أنه لا توجد مؤشرات تدل على نهاية قريبة للحرب التجارية، خصوصا مع تصاعد التهديدات بين الطرفين، بما في ذلك إصرار إدارة الرئيس دونالد ترمب على رفع مستوى الرسوم الجمركية الجديدة على البضائع الصينية إلى 300 مليار دولار، بدلا من 200 مليار دولار في الوقت الراهن. ولهذا السبب "وغيره"، ليس أمام الاقتصادات الناشئة سوى التمسك بما تمتلكه على ساحاتها، بما في ذلك نصيحة صندوق النقد الدولي بضرورة الإبقاء على مستويات فائدة أقل. فالحرب التجارية مرتبطة بمواقف القائمين على أكبر اقتصادين في العالم، وهذه المواقف لا تزال متشددة، حتى في ظل وجود مفاوضات مباشرة بين الطرفين الرئيسين.

إنشرها