هل هذا أوان أن تصبح البكالوريوس 3 سنوات فقط؟

|


هذه الرسالة الرائعة وصلتني عبر البريد الإلكتروني من إحدى طالبات كلية الأعمال، أرسلتها لي لأنني كنت سابقا عميدا لكلية الأعمال في جامعة الملك خالد، سأترك المساحة المقبلة للرسالة ثم أعلق عليها بما أعتقد أنه الصواب، "بعد التحية.. لقد تخرجت الآن في تخصص إدارة الأعمال، وأحمل فوق رأسي شهادة البكالوريوس مع مرتبة الشرف، شهادة أتمنى ألا تأكل الطير منها. أربع سنوات مرت لم أستطع فهم ما تعنيه إدارة الأعمال أو ما الذي يحدث حقا في هذا المجال الذي يدير الأموال، هل السبب مني أم من الكتب وما تحويه؟ أم من الأساتذة وطرق التدريس؟ من منظوري البسيط ومن شاركني سنوات دراستي، أعتقد أن السبب يكمن في الأساتذة وطرق التدريس، ذلك أن الأعمال قطاع حيوي مهني تجريبي وليس مجرد محاضرات وكتب ومسودات، فطالب إدارة الأعمال بحاجة إلى خيال واسع لفهم ماذا تعني عملية اتخاذ القرار، والتخطيط الاستراتيجي. ستمضي شهور قبل الفهم العميق لمعنى كلمة استراتيجي، وبعض المناهج، مثل مادة الإحصاء، تجعل الطالب في حيرة حول فائدة إحصاء احتمالات ظهور أرقام النرد، أو صورة العملة، وكيف يمكن أن تكون مفيدة في عالم الأعمال. ومع الأسف، لم يكن هناك جهد كبير من الأساتذة لتطوير إحصاء تدريبي أكثر منه تلقيني، تدريب حقيقي على قرارات تعتمد على الإحصاء في بيئة إدارة منشأة حقيقية، لكن بقيت هناك مادتان مختلفتان بشكل كبير عن باقي المواد، هما مادة المشروعات الصغيرة ومادة التدريب التعاوني، فقد أشعلت مادة المشروعات الصغيرة عقلي، وفتحت أمامي عالم إدارة الأعمال. لقد فمهت من خلالها معنى التمويل، والقرار، والتسويق، والتجارة الإلكترونية، وغيرها من المفاهيم، ذلك أنها كانت مادة تحاكي الواقع، وتحمل خيالي إلى عالم الحقيقة، كما أن مادة التدريب التعاوني أخذتني إلى عالم إدارة الأعمال بكل تناقضاته، وكيف تتأثر لحظة القرار بكل معاني الفعل الاستراتيجي...". لم تنته الرسالة هنا، بل كانت تطلب منى أن يتم توظيف "اليوتيوب" في التدريس وجعل مادتي المشروعات الصغيرة والتدريب التعاوني تأخذان حقهما، وأن تصبحا مثل سنة الامتياز في الطب.
في الحقيقة، إن هذه الرسالة "التي أوردتها ببعض التصرف"، أعادتني إلى مدوناتي القديمة، حيث كنت أطالب بتقليص سنوات الدراسة في البكالوريوس، ذلك أن الطلاب بحاجة إلى اقتحام سوق العمل في سن مبكرة قليلا، وهذا سيمكنهم من تقبل كثير من التدريب، وأيضا الرضى ببعض الرواتب التي يطرحها القطاع الخاص حاليا. وللجمع بين ما كنت أراه مناسبا للمرحلة وما قدمته الطالبة في رسالتها، فإن فكرة وجود عام كامل للمشروعات الصغيرة والتدريب تستحق الدراسة، ودمجهما في مقرر واحد أشبه بسنة امتياز، حيث يخرج الطالب من بيئة الكلية المغلقة إلى عالم الأعمال الحقيقي، وهناك عليه مصارعة القرار، والتخطيط والتوجيه، وأن يعبر نقاط الرقابة، ثم يقدم ما يثبت اجتيازه لكل هذه المراحل من خلال شهادة من الشركات والمؤسسات التي عمل فيها أو من خلال هيئة منشآت أو خلافه، "يمكن وضع خطة تفصيلية لذلك فيما بعد"، وإذا قدم الطالب ما يثبت ذلك مع إشراف الكلية يحصل على شهادة التخرج.
لقد تحولت الدراسة في العالم، فلم تعد تهتم كثيرا بفلسفة العلم ونظرياته، وتكتفي بوضع أسس الطريق المعرفية للطالب، في مناهج مكثفة ذات صبغة مهنية لمدة ثلاث سنوات للبكالوريوس وسنة للماجستير، وهذا التوجه في العالم يأتي على أساس أن يجد الطالب فرص عمل سريعة، ثم يستطيع من خلال العمل والتدريب المهني المستمر تحسين قدراته المعرفية في فلسفة العلم، "وهناك مؤسسات مهنية وشهادات تضطلع بهذه المهمة والمرحلة". لقد نظر العالم إلى شهادة الماجستير أنها استكمال للبكالوريوس في تخصص دقيق جدا، فيتم تكثيف المواد، وتوفير وقت الطالب في الحصول على معرفة ميدانية. واليوم نحن بحاجة إلى إعادة هيكلة التعليم العالي، ليس على مستوى الجامعات وحوكمتها، بل في التعليم والتلقي والمعرفة والمنتجات المعرفية نفسها.
لقد تغير العالم، فالمعرفة اليوم، لم تعد كما كانت معلبة وجاهزة للتلقي عبر الكتب والمقالات ومحاضرات مملة، بل هي تسير في طريق موازية للميدان والعمل. ذلك أنه مهما تحدث المحاضر عن التمويل، فلن يستطيع أحد فهم ما تعني مفاهيمه إلا من خلال ممارسة العمل في التمويل، وأصبح اليوم من يريد تعلم الجديد، فإنه لا يقرأه من كتاب، بل يتحرك في ميدانه وهو يتابع "اليوتيوب" لتعليمه خطوة بخطوة، فالتعليم اليوم يجب أن يمارس في الميدان، وأن تمنح الشهادات من الميدان وليس من قاعات الدرس، على أن اختبارات القدرات، هي التي ستحدد مستويات المعرفة والمهارات.

إنشرها