هدوء ما قبل العاصفة في أسواق النفط

|


لم تشهد أسعار النفط ارتفاعا كبيرا، على الرغم من انخفاض إنتاج النفط في فنزويلا وإيران، التوتر في منطقة الشرق الأوسط عند أعلى مستوياته منذ سنوات، والتهديد بحدوث مزيد من الانقطاعات في ليبيا. حتى تقلبات الأسعار كانت منخفضة إلى حد ما، وهي ميزة مثيرة للدهشة في ظل الضغوط المتزايدة على الأسواق مع ارتفاع المخاطر الجيوسياسية. وعلى الرغم من كل الاضطرابات، ظلت أسعار خام برنت عالقة في نطاق ضيق نسبيا بين 67 و 72 دولارا للبرميل لأكثر من شهر، وانخفضت أخيرا إلى دون 65 دولارا للبرميل.
علاوة على ذلك، فإن الطرف الخلفي لمنحنى العقود الآجلة بالكاد بدأ يتزحزح، ويتداول ما بين 60 و65 دولارا للبرميل. في الوقت نفسه، انتقل الطرف الأمامي للمنحنى إلى حالة حادة من التراجع Backwardation، بمعنى أن أسعار العقود القريبة الأجل هي أعلى من أسعار العقود الآجلة الأطول. وترتبط حالة التراجع عادة بتشدد أسواق النفط – بشكل خاص يكون المتداولون على استعداد لدفع علاوة على النفط اليوم نسبة إلى التسليم بعد ستة أو 12 شهرا.
ماذا يعني كل هذا؟ في هذا الجانب، كتب معهد أوكسفورد لدراسات الطاقة OIES في تقرير جديد "تشير التحركات الأخيرة في أسعار النفط إلى بعض الاختلالات الكبيرة بين الأسواق الفورية والأسواق المستقبلية وتوقعات السوق بشأن أساسيات أسواق النفط الحالية والمستقبلية".
في العام الماضي، شهدت أسواق النفط حدوث وضع معاكس تماما، حيث ارتفع الطرف الخلفي لمنحنى العقود الآجلة تحسبا لأسواق أكثر تشددا في المستقبل، في حين أن العقود الآجلة القريبة الأجل كانت تشير إلى أن الأسواق تشهد حاليا وفرة في العرض. تم حل هذا التناقض عندما جاءت موجة من الإمدادات من "أوبك" وحلفائها، الولايات المتحدة، وإعطاء إدارة ترمب إعفاءات مفاجئة لإيران. وكانت النتيجة النهائية انهيارا في الأسعار.
كيف سيتم حل هذا التضارب في التوقعات هذه المرة؟ إذا كان عام 2018 نموذجا جيدا لما يحدث، فسيرتفع مستوى الأسعار في نهاية الأمر ليعكس التشدد الحالي في الأسواق. إن الانقطاعات الكبيرة في فنزويلا وإيران، مشكلات تلوث النفط في روسيا، احتمال حدوث اضطرابات في ليبيا والتباطؤ في صناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة كلها أمور تشير إلى زيادة التشدد في السوق.
السؤال المهم هو كيف ومتى ستستجيب السعودية وترفع الإنتاج؟، المملكة ومن ورائها بعض دول "أوبك"، مترددون للغاية في رؤية تكرار ما حدث في عام 2018 عندما تراجعت الأسعار بصورة كبيرة بعد زيادة الإنتاج، هذه المرة قد تسمح المملكة بتشدد الأسواق بشكل مفرط، على الرغم من أن "أوبك" وحلفاءها قد تبنوا سياسة "الانتظار والترقب"، تأجيل القرار حتى اجتماع حزيران (يونيو) الذي تم دفعه الآن حتى تموز (يوليو). وبهذه الطريقة، سيكون لدى "أوبك" وحلفائها مزيد من البيانات حول تأثير العقوبات الأمريكية على الإنتاج في إيران وفنزويلا، وستصبح الأحداث المحيطة بالحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين أكثر وضوحا.
ومع ذلك، فإن استراتيجية الانتظار والترقب هذه قد تنطوي على مخاطر. في هذا الجانب، حذر معهد أوكسفورد لدراسات الطاقة من أن التحدي في الانتظار وعدم حل المشكلة يكمن في أن معظم حالات عدم اليقين "سواء على جانب العرض والطلب" ستتفاقم في الأشهر المقبلة.
لقد وصل انقطاع الإمدادات بالفعل إلى أعلى مستوياته في عدة سنوات إلى نحو ثلاثة ملايين برميل في اليوم ويمكن أن يرتفع أكثر. على الرغم من أن "أوبك" وحلفاءها يمكنهم تعويض هذا الحجم الكبير من الإنتاج المعطل، إلا أن الانقطاعات تلقي بظلالها على صورة العرض/ الطلب وتجعل من الصعب التخطيط. على أي حال، إذا استنزفت "أوبك" وحلفاؤها الطاقة الإنتاجية الاحتياطية، فإن ذلك في حد ذاته يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع الأسعار والتقلبات. ومع ذلك، فإن أكبر مصدر لعدم اليقين هو على جانب الطلب. تهدد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين النمو العالمي في وقت لا تبدو فيه المؤشرات الاقتصادية مشجعة. في نهاية المطاف، فإن انكماش النمو من شأنه أن يخفض الأسعار.
في ظل عدم اليقين هذا، وضع معهد أوكسفورد لدراسات الطاقة بعض السيناريوهات. إذا التزمت "أوبك" وحلفاؤها بالتخفيضات، فقد ترتفع أسعار برنت بمقدار خمسة دولارات للبرميل في النصف الثاني من عام 2019 مقارنة بالنصف الأول، لتتجاوز 77 دولارا للبرميل في وقت لاحق من هذا العام. في حين إذا قاموا بإضافة إمدادات جديدة إلى السوق عن طريق التخلص من "الإفراط في الامتثال"، فقد يبقى سعر خام برنت يراوح حول 70 دولارا للبرميل. إذا تخلوا عن الاتفاقية تماما، قد تنخفض الأسعار إلى 60 دولارا للبرميل.
مضيفا إلى عدم اليقين، تضمنت سيناريوهات معهد أوكسفورد بعض توقعات الأسعار التي تأخذ في الحسبان تباطؤا اقتصاديا، قد تؤدي النظرة الاقتصادية الأكثر هبوطية إلى جانب تخلي "أوبك" وحلفائها عن اتفاق التخفيض قبل الأوان إلى انخفاض الأسعار إلى 50 دولارا للبرميل. في الختام، يشير تقرير المعهد إلى أن هناك فجوة كبيرة إلى حد ما بين التوقعات الصعودية والهبوطية. تستند الحالة الصعودية إلى انقطاع الإمدادات وتلتزم "أوبك" وحلفاؤها بتخفيضاتها، في حين يرى السيناريو الأكثر انخفاضا حدوث تباين في الآراء داخل المجموعة، ما يضطرها إلى التخلي عن الصفقة قبل الأوان. وما يضيف إلى الجانب السلبي هو احتمال حدوث تباطؤ اقتصادي. الفرق بين هذين التوقعين كبير. على هذا النحو، فإن الحالة الحالية لتقلبات منخفضة، التي تعتمد على افتراض أن يبقى الموقف السعودي ثابتا تجاه الاتفاق، قد لا تدوم. إن درجة التباين في التوقعات والتحدي المتمثل في اتخاذ القرار في ظل الظروف الضبابية الحالية يشير إلى أن أسواق النفط مقبلة على تحديات كبيرة وتقلبات كبيرة في الأسعار.

إنشرها