صراع الفيلة

|


الحرب التجارية بين الصين وأمريكا أشبه ما تكون بصراع الفيلة، الذي تتجنب المخلوقات الأخرى ساحته، ولا تريد أن تكون طرفا فيه أو حتى التضرر من غباره. فأمريكا أكبر مستورد للسلع وثاني مصدر لها في العالم، كما أنها تحتل صدارة مصدري الخدمات في العالم، بينما تأتي الصين كأكبر مصدر للسلع وثاني أكبر مستورد لها في العالم، كما تحتل مكانة خاصة للدول النامية، بسبب كونها المستورد الأكبر للسلع الأولية وعلى رأسها النفط. لهذا تتجنب دول العالم أخذ مواقف في الحرب التجارية بين الصين وأمريكا، فكلاهما مهم لكل بلدان العالم ويصعب التفريط في التجارة مع أي منهما. وتأمل دول العالم أن يصل الجانبان الصيني والأمريكي إلى اتفاق حول القضايا التجارية بينهما، فالعالم ككل سيخسر إذا استمر النزاع التجاري بين الصين والولايات المتحدة. وسيتسبب استمرار الحرب التجارية بينهما بالتأثير سلبا في النمو الاقتصادي للبلدين، ما سيخفض معدل النمو الاقتصادي العالمي، ويخفض الطلب على صادرات الدول الأخرى، وبالتالي معدلات نموها الاقتصادي. ومثل اقتصادا البلدين مجتمعين نحو 41 في المائة من الاقتصاد العالمي بالأسعار الجارية لعام 2018، حسب بيانات صندوق النقد الدولي.
رفعت الولايات المتحدة أخيرا الضرائب الجمركية على جزء كبير "200 مليار دولار" من صادرات الصين إلى الولايات المتحدة، حيث زادتها من 10 في المائة إلى 25 في المائة. وستقود هذه الزيادة إلى رفع تكلفة الواردات الأمريكية من الصين بنحو 30 مليار دولار أمريكي، ولو قسم هذا المبلغ على سكان الولايات المتحدة لكان نصيب الشخص الواحد نحو 91 دولارا. وهو ما يعني أن تكلفة هذا الإجراء سيتحملها المستهلك الأمريكي بالدرجة الأولي في الوقت نفسه الذي يعاني منه المصدر الصيني. ونتيجة لذلك ستنخفض رفاهية المستهلك الأمريكي ودخله الحقيقي، ولكن سترفع إيرادات الحكومة الأمريكية وينخفض عجزها المالي. طبعا لا أعتقد أن الهدف الأساس من زيادة الرسوم أو الضرائب الجمركية، تحسين المركز المالي للحكومة الأمريكية، ولكنه للضغط على الحكومة الصينية لعقد اتفاقيات تجارية معينة مع الولايات المتحدة. سيتسبب القرار في زيادة أسعار السلع الصينية في السوق الأمريكية بنسب مختلفة تتوقف على مستويات المنافسة، ونسب القيمة المضافة للسلع المستوردة في الأسواق المحلية، ولكن تبالغ بعض المصادر كثيرا في نسب زيادة الأسعار. والسبب يعود إلى أن نسبة كبيرة من تكلفة بيع السلع المستوردة للمستهلك النهائي تعود لعوامل وخدمات محلية تصل مساهمتها أحيانا إلى 70 في المائة أو 80 في المائة من السعر النهائي للسلع المستوردة. لهذا فإن نسب زيادة أسعار السلع الصينية المستهدفة داخل الولايات المتحدة ستكون أقل بكثير من نسب زيادة الرسوم الجمركية.
لن يقتصر تأثير هذا القرار في المستهلكين الأمريكيين والمنتجين الصينيين، بل سيطول في حالة استمراره المنتجين الأمريكيين الذين يستخدمون مدخلات صينية أو ينتجون سلعهم في الصين. فالصادرات الصينية كثيرة ومتنوعة، وتدخل في كثير من صناعة السلع والخدمات المنتجة داخل الولايات المتحدة، ما يعني رفع تكلفة إنتاج سلع وخدمات أمريكية كثيرة. إضافة إلى ذلك هناك استثمارات أمريكية هائلة في الصين تقوم بها نسبة كبيرة من الشركات الأمريكية، خصوصا الكبرى منها. فشركة جنرال موتور مثلا تبيع سيارات في الصين تفوق السوق الأمريكية، كما تنتج قطع سيارات كثيرة في الصين، وتنتج شركة أبل جزءا كبيرا من أجهزتها في الصين. وتصنع معظم العلامات الأمريكية منتجاتها النهائية أو جزءا كبيرا منها في الصين، مستهدفة الوصول إلى السوق الصينية الضخمة وخفض تكاليف الإنتاج إلى أدنى حد ممكن. لهذا فإن جزءا كبيرا من الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة هي منتجات أمريكية في الأساس. ورفع الضرائب الجمركية يعني رفع تكلفة العلامات الأمريكية القادمة إلى الولايات المتحدة من الصين، ما سيؤثر في ربحية الشركات الأمريكية. وتطالب الحكومة الأمريكية المستثمرين الأمريكيين بإعادة استثماراتهم إلى الولايات المتحدة وإنتاج سلعهم فيها، ولكن زيادة الرسوم لن تقود بالضرورة إلى عودة الاستثمارات إلى أمريكا، فمستويات الأجور مرتفعة في الولايات المتحدة، ما يرفع تكاليف إنتاج السلع أو مراحل السلع كثيفة الاستخدام للعمالة. وبدلا من ذلك ستقوم الشركات الأمريكية المتأثرة بالقرار -في حالة استدامته- بإعادة توزيع سلاسل إنتاجها على مستوى العالم حسب ما يعظم أرباحها. ومن المرجح أن يقود هذا القرار -في حالة استمراره- إلى انتقال جزء من الاستثمارات الأمريكية في الصين إلى دول أخرى ليست لها نزاعات تجارية مع الولايات المتحدة، ومن المرجح أن يكون معظمها آسيوية.
عموما من المتوقع أن تصل الولايات المتحدة والصين إلى اتفاق ما بخصوص القضايا التجارية العالقة بينهما، فمصالح البلدين من التجارة البينية هائلة ويصعب على البلدين التضحية بها، ولكن ليس من السهل الوصول إلى حل نهائي في وقت قصير. ويعود هذا إلى أساليب صنع القرار واستراتيجيات المباحثات المتفاوتة في البلدين، ما يعني مرور بعض الوقت حتى يتم الوصول إلى تفاهم يرضي البلدين.

إنشرها