القمم الثلاث وحوكمة القرار الإسلامي

|


ما الحوكمة؟، هي ببساطة الأدوات والوسائل كافة، التي تحمي القرار من التحيز ضد أو مع أي اتجاه بدلا عن تحقيق الأهداف المخطط لها، لقد اجتمعت الأمة الإسلامية على هدف واحد وهو الدعوة إلى الله بالحسنى وفقا لقاعدة، "لا إكراه في الدين"، وعمارة الأرض بالخير، وحماية المقدسات الإسلامية، ويأتي التحيز واضحا عندما يحجّم العالم الإسلامي في مذهب واحد أو طائفة واحدة، وينبَذ الآخرون بل يقتلون، ويأتي التحيز واضحا باستغلال الإسلام للترويج لمنهج سياسي أو تجمع أو جماعة مهما تم التلبيس على الناس فيه، ويأتي التحيز باستثارة الصراع المذهبي للسيطرة على موارد الشعوب، وغيرها مما لا يسع المجال للشرح والتفصيل فيه. لقد تعلمنا من دروس الحوكمة أن أهم الوسائل لحماية الأهداف تأتي بتنويع شريحة المشاركة في القرار، عبر إنشاء المجالس الفعالة، التي تمثل شريحة واسعة من أصحاب المصلحة، وهنا تجد منظمة التعاون الإسلامي مكانها في حوكمة القرار الإسلامي من حيث إنها تضمن بين جنباتها عضوية 76 دولة مسلمة، فلقد أنشئت هذه المنظمة عندما تجرأت الصهيونية على إحراق المسجد الأقصى المبارك، ووضعت المنظمة حماية المسجد الأقصى هدفا لها، ولأن الأقصى ليس شأنا عربيا بل إسلاميا، فإن القرار الإسلامي يجب أن يتم لتحقيق مصلحة المسلمين عامة بشأن إسلامية القدس والمسجد وقدسية المكان، ولهذا يجب ألا يستغل موضوع القدس لتحقيق منفعة سياسية، أو مذهبية طائفية، هنا نجد الدول التي تسعى لهذه المصلحة الإسلامية الشاملة بشأن القدس، تسابق من أجل حضور القمة الإسلامية في مكة المكرمة برئاسة خادم الحرمين الشريفين، وتسعى أيضا لرفع مستوى تمثيلها إلى مستوى القمة في صناعة القرار السياسي والعسكري فيها، وتضع خصوماتها السياسية كافة خلف ظهرها، من أجل المصلحة الإسلامية العامة. وعندما قدمت المملكة الدعوة إلى الدول الأعضاء كافة في منظمة التعاون الإسلامي كانت تضع حوكمة القرار الإسلامي وسلامة القرار في مقدمة اهتماماتها، ولم تتحيز إلى خصومة سياسية أو خلافات مذهبية، وقد التزمت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين بهذه القيم الكبرى، ولهذا فقط فإن المملكة بهذه القيادة الحكيمة هي الأحق والأقدر على قيادة العالم الإسلامي، لتحقيق أهدافه وتطلعات شعوبه المحبة للسلام، ذلك أن غيرها ممن يسعون إلى منافسة المملكة في هذه القيادة يفتقدون هذه القيم الرئيسة في ضمان حوكمة سليمة للقرار الإسلامي تضمن عدم انجرافهم نحو مصالحهم.
على هذا المسار فإن المملكة تضع مشكلة القدس في قمة الموضوعات المطروحة على طاولة الحوار الإسلامي، كما تضع التهديدات الإرهابية والتحزبات الطائفية والتدخلات في الشؤون الداخلية للدول الإسلامية، أولوية في الاهتمام، فلن يكون هناك ضمانات في حوار إسلامي يحقق هدف تحرير القدس وأن تبقى إسلامية الهوية، ما بقيت قضايا الإرهاب تهدد العمل الإسلامي المشترك، وتشوه الطرق وتدمر منجزات الشعوب الإسلامية وتجعلها أسيرة للفقر، هنا نفهم لماذا تسعى الدول التي تتدخل في الشأن العربي مثل إيران، إلى دعم الإرهاب وغرسه في خاصرة العالم العربي خاصة، فلن تنجح الدول الإسلامية في بلورة قرار موحد بشأن الإرهاب والتعاطي معه، وتسهيل حركته وتسليحه ما دامت الدول الإسلامية غير مستقرة وآمنة بشأن التدخل في شؤونها الداخلية وهنا نضع اليمن وسورية ولبنان كمثال واقعي حي، فالإرهاب في اليمن يعصف بكل منجزات العمل الإسلامي هناك، وهو نابع أصلا من تحيزات مذهبية تغذيها إيران للسيطرة على قرار الشعب اليمني، وأن يصبح مسلوب الإرادة يقضي بما تقضي به إيران، وهذا يجعل التمثيل اليمني في المؤتمرات والتجمعات الإسلامية كافة، مجرد تمثيل صوري لقرار صيغ في إيران، فإذا كان العمل الإسلامي يسعى فعلا إلى ضمان قرار سليم ومنهجي، ويعبر بصدق عن شعوب العالم الإسلامي، وبذلك يمكننا إنهاء الصراع على القدس، فإن على الدول الإسلامية كافة أن تدين إيران بأقسى العبارات، وتمنع تدخلها في الشأن اليمني والسوري واللبناني، وبغير ذلك فإننا أمام قرارات لن تمثل الشعوب ولامصلحة العالم الإسلامي، بل مصلحة الإرهاب وهو يتلبس بثوب سياسي تدعمه إيران.
وإذا كانت المملكة تحارب ظاهرة الإرهاب والطائفية الفتاكة على صلاحية القرار الإسلامي ومدى قدرته على تمثيل الشعوب ومصالحها، فإنها تواجه تهديدات أمنية أصبحت ظاهرة جلية أمام الرأي العام الإسلامي، بل وصلت هذه التهديدات إلى الشعوب الإسلامية بتهديد أمن الحجاج والمعتمرين، ولولا الله -جل شأنه- ثم القدرات العسكرية للمملكة لكانت مكة المكرمة -حفظها الله- قد تعرضت للقصف وتعرض الحجاج لخطر جسيم، كل هذا العمل الإرهابي من أجل ثني المملكة عن مواقفها الثابتة، والمملكة إذ تتعرض للتهديد، فإنها قادرة على الرد بقوة وحزم، لكنها دولة قائدة للعالم الإسلامي تريد من الجميع تحمل مسؤولياتهم، وأن يدرك البعض ممن يتلون بحسب المصلحة الخاصة أن للمملكة الحق في الدفاع عن المقدسات الإسلامية بكل غال ونفيس، وهي تدرك تماما أن الشعوب الإسلامية تتضامن معها، لأنها الدولة الأكثر اهتماما بمصالح الأمة الإسلامية، ودعما لها وتحمل المشاق في سبيل تحقيق أهدافها، فيما بقية العالم يعاني صراعا على السلطة بأسماء مختلفة حتى لو كان هذا الصراع يهدد أمن الشعب المسلم نفسه.

إنشرها