«إنترنت الجمادات» بين أمريكا والصين

|
كاتب ومستشار اقتصادي


ينسب إلى تشارلز ويلسون وزير الدفاع الأمريكي في عهد أيزنهاور قوله إن "مصلحة جنرال موتورز هي مصلحة أمريكا"، حينما سئل عن موقفه لو تعارضت مصلحة "جنرال موتورز" التي كان يرأسها مع مصالح أمريكا التي أصبح وزيرا لدفاعها. هذه العبارة تعود اليوم فعلا لا قولا من خلال حرب الرئيس ترمب على "هواوي" الصينية دفاعا عن مصالح الشركات الأمريكية وعلى رأسها "أبل"، وهي الحرب التي عنوانها الكبير "حرب الجيل الخامس G5 " بين قطبي الاقتصاد العالمي.
هنا يأتي السؤال: لماذا الحرب بين الدولتين الأكبر اقتصاديا في العالم على G5؟ والإجابة تتمحور حول اختلاف تقنية G5 وتطبيقاتها عما سبقها من تقنيات من G1 حتى G4، فأعلى ما وصلت إليه التقنية في الاتصالات خلال الأجيال الأربعة السابقة هي التطبيقات Apps التي بدأت في 2007 بإطلاق ستيف جوبر الجيل الأول لهاتف آيفون ليعقبه بعام ظهور نظام الأندرويد، ولتستمر التطبيقات من حينها في التوالد في جميع شؤون الحياة، فأصبح للنقل تطبيقات، ولتوصيل الأغذية تطبيقات، ولمواعيد الصلاة والأذان تطبيقات، وحتى المدرسة الصغيرة في قرية نائية يمكن أن توجد لها تطبيقا يرسل المدرسين من خلاله الواجبات المدرسية ويستخدمه طلابها لإجابة الأسئلة.
والملاحظ أن تقنية الاتصالات منذ الجيل الأول حتى الرابع لم تتجاوز الإنسان، وكل استخداماتها مقتصرة عليه، فحينما تدخل على تطبيق "أوبر" وتطلب سيارة سيستقبل أقرب سائق عندك الرسالة ويأتي ليوصلك إلى مشوارك، وحينما يضع الأستاذ الواجبات على التطبيق سيقوم الطالب بتصفحها وحلها وإعادتها للمدرس، وهكذا، وهو ما يعني أن التطبيق ما هو إلا وسيط بين طرفين من البشر.
ما تتميز به تقنية G5 هو أنها ستتعدى البشر إلى الجمادات، وهو ما يطلق عليه إنترنت الأشياء Internet of Things وتختصر IoT، وأميل شخصيا إلى تسميتها أو ترجمتها بإنترنت الجمادات، فالسرعة والتقنية المستخدمة في G5 ستجعل الجمادات تفهم وتتفاعل وتتخاطب فيما بينها بشكل آلي دون تدخل الإنسان أو ضمن الحدود الدنيا لتدخله (المصدر: نضال ظريفة، "في الطريق إلى الجيل الخامس"، ardroid.com).
ولذا فإن ما نقوله منذ أعوام عن الذكاء الاصطناعي أو ذكاء الآلة لم يبدأ بعد، وستكون انطلاقته الفعلية مع طرح الجيل الخامس المتوقع في 2020، وساعتها ستبدأ الجمادات في العمل والتخاطب والتفاعل، وستخبرك ثلاجتك الذكية أن الفاكهة التي تحبها على وشك النفاد، وستسلك بك سيارتك الذكية طريقا لم تعتد عليه لأنها تعرف أنه أقل زحاما وأكثر أمنا، وستفتح أمامك إشارة المرور الحمراء حتى لو لم يحن دورك لأنها تفاهمت مع بقية الإشارات وأبلغتها أن لا سيارات تنتظر في الطرق المقابلة لك، وسيفتح باب منزلك ويرحب بك منذ أن توقف سيارتك أمامه، وهلم جرا.
وبالتأكيد فما إن تبدأ الجمادات بالتخاطب والتفاعل فيما بينها أو مع البشر أنفسهم إلا وتختلف معايير كل شيء في الصناعة، وأقصد صناعة السيارات وصناعة الطائرات وصناعة الأجهزة المنزلية، وكل أنواع الصناعات الأخرى، فالسيارة ذاتية القيادة ستحل مكان السيارة العادية، والثلاجة العادية سيرمى بها في أقرب حاوية نفايات لاستبدالها بالذكية، وإشارة المرور الحالية لن تراها واقفة على جانبي الطريق، والكل سيستبدل العادي بالذكي، وهذا يعني أن الصناعة نفسها ستتغير معاييرها ونتاجها وتقنيتها لتتماشى مع الحياة الجديدة الذكية، وهذا يفسر سبب الحرب التي يشنها ترمب على "هواوي" والصين، فالموضوع يتعدى الاتصالات والتطبيقات إلى كل الصناعة والاقتصاد بحلول عصر G5، ولهذا أطلق باحثون أمام المفوضية الأوروبية شعارا يقول إن G5 is not G4+1 elbalad.news.
يوم الجمعة الماضي نشر ليون برخو الزميل الذي يقاسمني هذه الصفحة، مقالا جديرا بالقراءة عنوانه "صراع الخوارزميات بين الوردة والتفاحة" تحدث فيه عن الصراع بين أمريكا والصين، وأن الدولتين تحتلان الصدارة في الثورة الرقمية وتصل حصتهما في الاقتصاد الرقمي 40 في المائة من الاقتصاد العالمي "24.28 في المائة لأمريكا و15 في المائة للصين".
ختاما، الحرب التي شنها ترمب على "هواوي" ليست حربا على شركة تعمل في مجال تقنية الاتصالات، بل هي حرب على ما سينتج عن عصر الـG5 من تجارة قدرتها شبكة cnbc بـ12 تريليون دولار. ولذا فالتوقع أن الصين لن تقف متفرجة وتترك الكعكة كلها لأمريكا، والمنتظر أن تفعل "هواوي" شيئا يعيدها للمنافسة ويحميها حاليا ومستقبلا من أي خطوات أو مقاطعة تتخذها الحكومة أو الشركات الأمريكية. فلننتظر ونتابع لمصلحة من تتجه بوصلة الحرب للسيطرة على الاقتصاد العالمي الجديد.

إنشرها