الطاقة- المعادن

المعادن النادرة تدخل على خط النزاع الصيني - الأمريكي .. بكين تلوح بتقييد الصادرات

منذ بداية الحرب التجارية الراهنة بين الولايات المتحدة والصين، يبدو المشهد وكأن واشنطن تواصل الهجوم، بينما تفضل بكين التمترس الدفاعي، وتتبنى استراتيجية رد الفعل وعدم المبادرة بالهجوم.
لكن الأيام الماضية شهدت تحركات صينية، فسرها المراقبون بأن الرئيس الصيني شي جين بينج يبعث من خلالها برسائل للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بأن بلاده لن يمكنها مواصلة سياسة الدفاع للأبد، وأن التنين الصيني يمكنه أيضا مهاجمة الكاوبوي الأمريكي، وإيقاع خسائر ضحمة في صناعاته الحيوية تدفعه للتفكير في جدوى سياسته الهجومية.
وتمثلت تلك التطورات في زيارة الرئيس الصيني منشآت تعدين وتجهيز لمعادن الأرض النادرة، ما زاد التكهنات بأن بكين قد ترفع من أسعار تلك المعادن وتجعلها أغلى سعرا، عبر تقييد تصديرها للخارج إذا استمرت الحرب التجارية.
زيارة الرئيس الصيني لتلك المنشآت رفعت أسهم الشركات الصينية العاملة في مجال تعدين المعادن النادرة بنسبة 10 في المائة، بينما زادت قيمة أسهم الشركات الأسترالية بنحو 15 في المائة.
ويقول لـ "الاقتصادية"، أجاي شارما المحلل المالي في بورصة لندن إن "الأسواق تفاعلت مع زيارة الرئيس الصيني باعتبارها مؤشرا على أن الصين ربما تقيد تصدير المعادن الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة مع تصاعد النزاع التجاري بين البلدين، خاصة أن مسؤولين صينيين أشاروا إلى أن بكين تنظر بجدية في تقييد صادرات تلك المعادن للولايات المتحدة، فهي إلى حد بعيد أكبر منتج لهذه المواد الخام، التي تعد حيوية لعديد من الصناعات الأمريكية، بما في ذلك قاطعات مرتفعة وسريعة النمو مثل السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح، وعلينا أن نتذكر أنه في العام الماضي اعتبرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن تلك المعادن النادرة مهمة للغاية لكل من الاقتصاد والأمن القومي الأمريكيين".
ولكن ما تلك المعادن النادرة التي يمكن لها أن تساعد الصين في توجيه ضربات قوية للاقتصاد الأمريكي بما يدفع واشنطن إلى إعادة التفكير في حربها التجارية؟
ويوضح لـ "الاقتصادية"، الدكتور سميث روس أستاذ الجيولوجيا في جامعة لندن أن "المعادن النادرة مجموعة مكونة من 17 عنصرا تستخدم في عديد من القطاعات الاقتصادية الحديثة مثل تكنولوجيا الطاقة المتجددة ومصافي تكرير النفط والإلكترونيات وصناعة الزجاج، وعلى الرغم من استخدام تعبير نادرة في وصفها، إلا أنها توجد بكثرة نسبيا في قشرة الأرض، ويطلق عليها نادرة لأن هناك عددا قليلا نسبيا من الأماكن في العالم التي يوجد فيها مناجم لهذه المعادن، ومن ثم يتم إنتاجها في عدد محدود من البلدان، كما أن استخراجها من باطن الأرض صعب ويلحق أضرارا جسيمة بالبيئة، والصين تنتج 70 في المائة من الإنتاج العالمي من تلك المعادن، أما أبرز الدول الأخرى المنتجة فهي مينمار وأستراليا".
وتضم قائمة العناصر النادرة الـ 17 عناصر يصعب نطقها حتى على المتخصصين وهي ألسيريوم، وألديسبروسيوم، والإربيوم، والأوروبيوم، والجادولينيوم، وهولميوم، واللانثانم، واللوتيتيوم، والنيوديميوم، وبراسيوديميوم، وبروميثيوم، وسماريوم، وسكانديوم، والتربيوم ، والثوليوم، والإيتربيوم، والإيتريوم..
ووفقا للإحصاءات المتاحة فإن نحو 80 في المائة من واردات الولايات المتحدة من تلك المواد تأتي من الصين، وحتى العناصر المعالجة من تلك المواد التي تستوردها الولايات المتحدة من أستونيا وفرنسا واليابان فإن خامتها الأصلية مصدرها الصين، والمنجم الوحيد الذي ينتج تلك المواد في الولايات المتحدة، يقوم بتصديرها حاليا للصين لمعالجتها ثم إعادة تصديرها مرة أخرى للولايات المتحدة، وفي الوقت الذي لم تدخل فيه الولايات المتحدة المعادن النادرة ضمن قائمة السلع والمنتجات التي تصدرها الصين للأسواق الأمريكية، ومن ثم يجب عليها أن تدفع تعريفة جمركية عليها تقدر بنحو 25 في المائة، فإن الصين تفرض رسوما جمركية بنحو 25 في المائة على كمية المعادن النادرة القادمة إلى أراضيها من الولايات المتحدة لمعالجتها
وتنتج الصين نحو 97 في المائة مما يعرف بخام التربة النادرة وأكسيد الأرض النادرة، و89 في المائة من السبائك الأرضية النادرة، وبعضها يستخدم في طرز محددة من الغواصات النووية، وكذلك منظومات صاروخية متطورة، والمقاتلات الأمريكية الحديثة من طراز F-35، ويمثل احتياج الصناعات العسكرية من العناصر النادرة نحو 5 في المائة من إجمالي الاستهلاك الأمريكي من تلك المواد.
ومع هذا يظل السؤال قائما إلى أي مدى يمكن للصين أن تقدم على خطوة تقيد صادراتها من المعادن النادرة للولايات المتحدة؟
يشير لـ "الاقتصادية"، الدكتور أندروا روس أستاذ التجارة الدولية في جامعة ليدز إلى أن التجارب السابقة مع الصين تؤكد إمكانية إقدام الصين على ذلك، ففي عام 2010 توقفت الصين عن تصدير تلك المواد لليابان، بعد اصطدام سفينة صيد صينية بزوارق دورية يابانية بالقرب من جزيرة متنازع عليها، وقد قامت الصين بتقيد الصادرات من تلك المواد لليابان دون إعلان رسمي بذلك، وتسبب ذلك في ارتفاع الأسعار حينها بنسبة 40 في المائة، وإذ أقدمت الصين على تلك الخطوة تجاه أمريكا؛ فستؤثر سلبا في عدد من الصناعات الأمريكية الضخمة التي تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات.
ومع هذا، يعتقد روس أن الصين لن تقدم على تلك الخطوة لعدد من الأسباب، ويضيف أن "الولايات المتحدة ليست اليابان وإقدام الصين على حرمان الولايات المتحدة من تلك العناصر الحيوية يمثل تحولا نوعيا في الصراع، ويمكن وصفه بأنه مشابه للجوء إلى الخيار النووي في الحروب وسيتطلب ردا أمريكيا قويا للغاية، وسينصب في جزء كبير منه على النظام المالي الصيني، وتحديدا على اليوان، ما يضع مجمل المنظومة الاقتصادية للصين في خطر".
ويضيف أن الصين تعلم أن هذا النوع من السلوك تجاه الولايات المتحدة قد يسبب هزات ضخمة لصناعات حيوية في الولايات المتحدة، لكنه لن يفلح في القضاء عليها، لأن هناك بدائل أمام الولايات المتحدة مثل أستراليا وماليزيا ربما لا تكون بالقدرة الإنتاجية نفسها للصين، لكن ستضمن الوفاء بقدر ملموس من احتياجات الولايات المتحدة، كما أن الأراضي الأمريكية ذاتها يمكن أن توفر تلك العناصر، إذ إن الولايات المتحدة وحتى ثمانينيات القرن الماضي كانت أكبر منتج للمعادن النادرة، ولكن نتيجة انخفاض تكلفة الإنتاج في الصين مقارنة بالولايات المتحدة، والمعايير البيئية الأكثر تساهلا في الصين تجاوزت بكين واشنطن، بحيث إنها في العام الماضي استحوذت على سبعة أطنان من كل عشرة أطنان من العناصر الأرضية النادرة، وبذلك لا يوجد مشكلة في توافر تلك العناصر في حد ذاتها في الأراضي الأمريكية، إنما سيتطلب الأمر استثمارات ضخمة وبعض الوقت حتى تتمكن الولايات المتحدة توفير احتياجاتها منها.
إلا أن بعض الخبراء يعتقدون أن عدم إقدام الصين على تقييد صادرات تلك العناصر النادرة يعود إلى عوامل خاصة بالصين ذاتها، إذ تبعث الصين بخطوة كتلك برسالة سلبية لجميع دول العالم، بأنه لا يمكن الاعتماد عليها فيما يتعلق باستيراد المواد الاستراتيجية منها، إذ يمكن أن تستخدمها في أي نزاع تجاري لابتزاز خصومها، وهو ما لا ترغب القيادة الصينية في أن يرتبط في أذهان دول العالم.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من الطاقة- المعادن