سنوات مودي .. إخفاقات أم إنجازات؟

|


وصفنا الانتخابات الهندية العامة لعام 2019 التي باتت الآن في مراحلها النهائية في مقال سابق بمعركة كسر عظم ما بين المعارضة ممثلة في حزب المؤتمر بقيادة راهول غاندي، وحكومة بهاراتيا جاناتا وحلفائها التي يتزعمها رئيس الوزراء ناريندرا مودي. ومن خلال الحملات الانتخابية المستعرة تبين أن وصفنا كان صحيحا. فطرفا المعادلة استخدما كل ما بحوزتهما من أدوات وتكتيكات للإضرار بحظوظ الآخر في الفوز على نحو ما يجري في كل الدول الديمقراطية. بل عمد حزب المؤتمر إلى تشويه صورة الحزب الحاكم عن طريق التركيز على إخفاقات مودي الاقتصادية وأسلوبه في الحكم والإدارة، ناهيك عن الادعاء بأن الرجل وعد الناخبين في الانتخابات الماضية بجملة من الأمور لم يحققها لهم.
لكن ما هذه الوعود والملفات التي أخفق فيها مودي وجعلت خصومه يلوحون بها في وجهه؟ هنا نستعين ببعض ما أفرده البروفيسور "كونال سين" مدير المعهد الدولي للتنمية والبحوث الاقتصادية التابع لجامعة الأمم المتحدة، مع بعض الإضافات الضرورية.
الحقيقة هي أن مودي حينما تولى السلطة بعد نجاحه الكاسح في انتخابات 2014 كان الاقتصاد الهندي في حالة يرثى لها بسبب فساد الساسة، معطوفا على البيروقراطية المنيعة في أجهزة الحكومة المركزية، فوعد شعبه بتصحيح الوضع، مؤكدا لهم أن "آتشا دين" أو "الأيام السعيدة" قادمة تحت إدارته الحاسمة، خصوصا مع تمتعه في البرلمان باليد العليا دون منافس. غير أن السنوات التالية من حكمه أثبتت أن المشكلات أكبر من التصدي لها بنجاح. فالنمو الاقتصادي كان بطيئا بحيث لم يصل إلى المستويات التي كانت عليها في العقد الأول من الألفية حينما كانت البلاد تحت قيادة حزب المؤتمر، فقرر مودي في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016 مواجهة الوضع بسحب كل الأوراق النقدية من فئة 500 و1000 روبية من التداول وضخ عملة جديدة من فئتي 500 و2000 روبية، وذلك في محاولة منه للقضاء على السوق السوداء والقضاء في الوقت نفسه على الخزانة النقدية التي تتغذى عليها الجماعات الإرهابية والأنشطة غير المشروعة. غير أن هذه الخطوة أدت في الوقت نفسه إلى نتائج سلبية في النمو الاقتصادي في السنوات التالية لاتخاذ القرار.
من جانب آخر، قامت حكومة مودي في تموز (يوليو) 2017 بفرض ضرائب على السلع والخدمات، وهي المعروفة اختصارا بـGST، وذلك بهدف أيجاد سوق هندية مشتركة، كبديل للضرائب المختلفة التي تفرضها الحكومات المحلية. لكن نتائج هذا القرار كانت سلبية أيضا على الاقتصاد، وخصوصا على قطاع المعلوماتية والبرمجيات الذي يعمل فيه أكبر عدد من الهنود بعد قطاع الزراعة.
كما قامت الحكومة بإنفاق جزء كبير من موارد وسلع البلاد على مشاريع الصرف الصحي والكهربة في الأرياف، ما أدى إلى طفرة في البناء في الأرياف وبالتالي ارتفاع أسعار مواد البناء.
وإذا ما أتينا إلى القطاع الزراعي الذي يعتمد عليه نحو 60 في المائة من الشعب الهندي كمصدر للدخل، الذي ظل يشكو من المتاعب منذ عام 2011، نجد أنه دخل مرحلة التأزم لأن حكومة مودي فشلت في فرض حد أدنى لأسعار المحاصيل الزراعية مثل الأرز والقمح مثلما وعد في حملاته الانتخابية في عام 2014، الأمر الذي تسبب في تضخم أسعار تلك السلع.
أما مسألة البطالة وتوفير الوظائف فهي واحدة من أكبر التحديات التي واجهها مودي. فهو لئن كان قد وعد بتجديد القطاع الصناعي وتحسين عمله من أجل توفير وظائف جديدة للأعداد الكبيرة من الهنود الطامحين لدخول سوق العمل، وأطلق شعار "صنع في الهند" من أجل تحفيز المصانع على تصدير منتجات هندية ذات قدرة تنافسية إلى أسواق العالم، فإنه فشل في المهمة بالشكل الذي كان يتوقعه لأسباب تعود بالدرجة الأولى إلى ظروف القطاع نفسه المتوارثة من عقود سابقة، ناهيك عن عدم وجود حوافز كافية كتلك الموجودة في الصين ودول جنوب شرق آسيا.
وإذا كان ما سبق هو رأي المعارضة الهندية ومن يحازبونها، فإن رأي المصادر الدولية ممثلة في صندوق النقد الدولي مختلف تماما.
ويتلخص هذا الرأي في أن الهند تحت قيادة مودي تمكنت من الصعود اقتصاديا فباتت ضمن أقوى اقتصاديات العالم. ففي العام الجاري حقق ناتجها الكلي المحلي GDP زيادة بقدر تريليون دولار عما كان عليه عام 2014، بحيث باتت الولايات المتحدة والصين واليابان وألمانيا فقط متفوقة عليها على هذا الصعيد، علما بأن الهند تخطط للوصول إلى خمسة تريليونات دولار بحلول عام 2025 كي تحل محل ألمانيا كرابع أقوى اقتصاد في العالم. كما أن معدل الدخل الفردي ارتفع في ظل حكومة مودي من 1600 دولار إلى 2200 دولار أي بزيادة 35 في المائة. إلى ذلك نجحت حكومة مودي في استقطاب الاستثمارات الأجنبية بعد أن أزالت كثيرا من العوائق في قطاعي الصناعة والطيران، حيث بلغت هذه الاستثمارات 45 مليار دولار في عام 2018 أي ضعف الرقم في عام 2014، مع الاعتراف بأنها تباطأت بنسبة 5 في المائة في الفترة 2017 ــ 2018 بسبب تدخل الدولة لكبح جماح المستثمرين الأجانب في قطاع التجزئة الإلكتروني.

إنشرها