رأي خبراء صندوق النقد الدولي في مشكلة العقار

|


نشر صندوق النقد الدولي على صفحته الرسمية في 15 أيار (مايو) الماضي بيان خبراء الصندوق في ختام زيارتهم للمملكة بشأن مشاورات المادة الرابعة لعام 2019، وبالمختصر فإن التقرير يشيد بنمو القطاع غير النفطي، ومشاركة النساء في سوق العمل، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وخفض استهلاك الفرد من البنزين والكهرباء، لكنه حذر من زيادة تعرض المالية العامة لمخاطر عند انخفاض أسعار النفط، وعدّ البطالة مرتفعة وطالب بزيادة التمويل المتاح للشركات الصغيرة والناشئة. لكن من الغريب جدا أن خبراء الصندوق لم يتطرقوا مباشرة إلى أمرين في غاية الأهمية، الأول هو الإسكان والآخر هو أسعار العقار.
الإسكان قضية أساسية في هيكل تكلفة المعيشة، فزيادة الإيجارات ستتسبب حتما في ارتفاع تكلفة المعيشة، وهذا بدوره سيربك ميزانية الأسر، فإذا مضت الحكومة قدما في رفع الدعم عن أسعار الطاقة فإن القدرة الشرائية للمستهلكين ستتراجع وبالتالي يتراجع نمو الناتج المحلي ويتأثر كثير من الإصلاحات، وإذا كان خبراء الصندوق يحذرون من التدخلات الحكومية في حركة الاقتصاد فإن ترك هذه المسألة دون نقاش يجعل تقرير الخبراء غير مكتمل، فالحكومة ترى أنه من الضروري أن تتدخل اليوم وبشكل واضح في حل مشكلة الإسكان من خلال الوزارة المعنية وبرنامج الدعم السكني، على أساس أن هذا التدخل سيسهم في حصول الأسر على السكن ومن ثم تتراجع تكلفة المعيشة، لكن الحل المتوافر حتى الآن غير جيد، لأنه يعتمد على تشجيع الاقتراض وهذا يكبد الناس أقساطا عقارية، ولمدد طويلة جدا، فكأن هذا الحل لم يأت بجديد، لهذا جاءت بعض حلول صندوق التنمية العقارية بتحمل جزء من تكلفة القرض لتخفيف وطأة الأقساط، وهذا في نظر خبراء الصندوق هو نوع من التدخل الحكومي سيسهم في رفع الإنفاق الحكومي وهو ما يحذر منه الصندوق. لكن المشكلة هنا ليست فقط في رفع الإنفاق الحكومي ومخاطر ذلك، بل في مشكلة التدخل في السوق مباشرة وعدم تركها تذهب في مسارها الطبيعي حتى يتوازن العرض والطلب، ومن الغريب أن يتدخل الصندوق العقاري بهذا الشكل في الوقت الذي يشير فيه تقرير خبراء الصندوق إلى أن أسعار العقارات تراجعت في السنوات الأخيرة.
في الجانب الآخر يشير خبراء الصندوق إلى تواصل نمو الإقراض العقاري بشكل مستمر وكبير ويؤكدون ضرورة الحرص ومراقبة مستوى جودة الإقراض العقاري، ويشير التقرير أيضا إلى أن القروض العقارية لا تزال تمثل نسبة قليلة نسبيا من إجمالي القروض المصرفية "أي أنه لا يزال أمام البنوك هامش واسع في هذا الاتجاه". فإذا كانت أسعار العقار تتراجع ونسب القروض العقارية لا تزال قليلة فهل هذا هو السبب الذي قاد الصندوق العقاري إلى دفع الناس للإقراض؟ وهل كان هذا الاتجاه صحيحا؟
يؤكد خبراء الصندوق أن المخاطر التي تتحملها البنوك "تم تخفيضها" من خلال تحويل الراتب وتقديم ضمانات حكومية على نسبة كبيرة من القروض الجديدة، "وهذا هو بيت القصيد تماما". هذه العبارات الأخيرة هي التي تفسر كل المسار ولماذا كان خبراء الصندوق قلقين من جودة الإقراض العقاري. فالأسعار الحقيقية للعقار تتراجع، وهذا أقلق البنوك فلا يمكن ضمان مستويات الربحية في ظل تراجع أسعار العقار، وإذا أحجمت البنوك عن الإقراض تراجع العقار أكثر، وهكذا في حلقة مفرغة، ولكن مع وجود ضمانات القروض بالراتب ومع الضمانات الحكومية الجديدة بدفع جزء من تكلفة القرض، فإن مسارا جديدا للسوق العقارية قد بدأ يظهر، حيث عادت البنوك إلى المغامرة وتقديم قروض بضمانات الفائدة. وهذا المسار وإن بدا نافعا فهو يحمل في طياته مخاطر.
فالقروض لا تعكس الحالة الحقيقية للعقار ولا سعره الحقيقي، نظرا لوجود ضمانات غير السعر الحقيقي للعقار، وبهذا فإن جودة القرض العقاري ليست مرتبطة بجودة العقار، بل بجودة الضمانات الحكومية، وهذا سيشعل الأسعار مرة أخرى ما لم تحدث في مقابلها زيادة ضخمة في المعروض ولن تحدث. وما سيحدث هو الآتي بالضبط؛ سترتفع أسعار العقار كلما دخلت للسوق ضمانات جديدة، ذلك أن البنوك ستزداد شهيتها للإقراض العقاري والمخاطرة بعقارات أعلى سعرا، وهذا يقود إلى تآكل قيمة دعم الصندوق العقاري للمقترضين تماما، فإذا كانت الدفعة خمسة آلاف يدفع منها الصندوق العقاري 2500 ريال، وإن وصلت الدفعة إلى عشرة آلاف ريال يدفع الصندوق العقاري 2500 ريال منها فقط، "لأن الدفعات محدودة بـ 500 ألف"، ولكن الفرق هو أن المواطن الذي كان يدفع خمسة آلاف قبل تدخل «العقاري» فسيدفع الآن 7.5 ألف بعد تدخله، ولقد أشار المحلل الاقتصادي عبدالحميد العمري قبل أيام إلى خطورة التدخل الحكومي الأخير من خلال صندوق التنمية العقارية في السوق العقارية بهذه الصورة، وأنا أؤيد طرحه، لكن المسألة لن تقف عند هذا، بل لها تأثيرات عامة خطيرة في الاقتصاد، أولها تزايد وتيرة ارتفاع تكلفة المعيشة بسبب ارتفاع العقارات، وهو ما سيقود إلى زيادة التدخل الحكومي أو زيادة الإنفاق من أجل تخفيف حدة الأسعار على المواطن، وهو ما سيقود إلى زيادة الإنفاق والتضخم، ويخفف من تأثير الإصلاحات، وهذه الدوامة لن تنتهي حينها بسهولة، لهذا يجب البحث في تفاديها الآن وحالا، فزيادة جودة الإقراض العقاري يجب أن تتم من خلال تحمل البنوك مسؤولياتها عن ارتفاع الأسعار، وأن يتم منع رهن الراتب في هذا المجال، حتى تتحمل البنوك مخاطر العقارات فترتفع بذلك جودة الإقراض العقاري، وتعود الأسعار إلى مسار معقول ويكون الدعم مفيدا حينها.

إنشرها