ما يقال في العزاء

|

مصيبة الموت، هكذا سماها الله تعالى في الكتاب، وهي مصيبة من عدة نواح؛ منها أنها قد تأتي على حين غرة في وقت يظن العبد أنه لا يزال قادرا على إصلاح ما يفسده في يومه، أو أنها تحول حياة ابن آدم من نعيم إلى غيره نسأل الله الحماية. لكن أخطر ما في الموت والمصيبة الكبرى فيه هي ما ورد في قوله تعالى: "ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون"، ذلكم هو انقطاع العمل وفقدان القدرة على إصلاح ما فسد من شأن الناس. هناك ما ينفع العبد بعد وفاته، وهي ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث شريف: الولد الصالح والعلم النافع والصدقة الجارية، والأول هو ما سأركز عليه في حديثي هذا.
ذلك أن الخلف الذي يدعو لمن غادر الحياة بعد أن بنى فيه أهله حب الله، والبر الذي ينجيه هو - نفسه - من المهالك، رأسمال للعبد بعد وفاته، والحق أن الدعاء الذي يكسبه الميت سواء من الابن أو غيره يرفع درجاته بحول الله، لكن الحديث ركز على الابن الصالح لأن لأبويه دورا في تربيته ونشأته القويمة, ودعاؤه أحرى أن يستجاب.
الدعاء للميت خير يجب ألا نحرم أنفسنا ولا نحرم الميت منه، ولهذا أجدني أعتب على من يستخدمون كثيرا من العبارات التي لا تحمل الدعاء للميت في العزاء، فكثير منا يستخدمون عبارات مثل: أحسن الله عزاءكم، أو "معاوضين" بخير، أو جعلها الله آخر الأحزان. لا ضير في كل ذلك, لكن استغلال العزاء للدعاء لمن يفقده الناس أمر يستحق منا إعادة بناء طرق مواساة من نعزيهم في فقدهم، ذلك أنهم لا يزالون على الأرض وعندهم وسائل كثر للعزاء والنسيان، وهو ما يحدث في أغلب الأوقات. أما من ووري التراب وترك الأحباب، فهو أحوج الناس للدعاء بسبب انقطاع العمل وما يواجه من سؤال وحساب.
لهذا أقول لكل من يذهب في عزاء أو يخاطب فاقدا بأي وسيلة فعل: أغدق على الميت من الدعاء ما دمت في ذكره وقريبا منه. وأوصي كل من ينتسب إليه أو يشاركه في شيء من أمور الدنيا أو الآخرة بالدعاء له.

إنشرها