معارك صناديق الاستثمار الجريء

|

في مؤتمر القطاع المالي الذي عقد في شهر أبريل الماضي تم التوقيع على اتفاقيات وخطابات التزام بين الشركة السعودية للاستثمار الجريء وستة صناديق استثمار جريء، ليؤسس بذلك لمرحلة جديدة من تطور صناعة الاستثمار الجريء في السعودية. حسب البيان أو الخبر يبلغ حجم هذه الصناديق ما يقارب 1.5 مليار ريال، إضافة إلى أن الصندوق يبلغ رأسماله 2.8 مليار ريال كلها موجهة للاستثمار ودعم الاستثمار الجريء، هذا التطور الكبير في حجم الاستثمارات مهم جدا ويعطي هذا القطاع الفرصة لينمو ويكبر، وهو ما كنت أطالب به سابقا عبر مقال كان بعنوان "رأس المال الجريء مستقبل الاستثمار" وتم نشره عام 2017، ذكرت فيه أننا تأخرنا كثيرا في تطوير هذا القطاع، ويجب الاهتمام به من جميع الجوانب خصوصا التمويل وإنشاء صناديق الاستثمار وهو ما تحقق، ولله الحمد، اليوم.
عندما ننظر إلى الوضع العام نلاحظ تسارع دخول هذه الاستثمارات والأموال لهذا القطاع وتوافر التمويل من الجهات الداعمة، وحجمها الكبير الذي بلغته اليوم مع محدودية الفرص ومدى نضج النظام يوضح وجود إشكالية قد تقع في المستقبل، وهي الخوف من التنافس في الفرص "وإن كانت جيدة" من قبل المستثمرين والصناديق، وبالتالي الدخول في المزايدة بالتقييمات لإغراء الملاك وأصحاب المبادرات، ما يدخلنا في إشكالية قد تشوه هذا القطاع وتقلل عوائده على المدى الطويل. إن من يعمل في هذا القطاع يدرك الصعوبة في إيجاد فرص حقيقية ومقنعة للاستثمار، الجميع لديه أفكار وأحلام لكن تحويلها إلى منتج نهائي يعد تحديا، وحجم السوق والطلب الحقيقي كذلك تحديا آخر، وقد يخلط الكثير بين رغباته الخاصة وبين السوق وما يريد، حيث يبالغ بعض طالبي التمويل في تقدير حجم الطلب على المنتج الذي يريد أن يقدمه، وقد يعتقد البعض أن تحويل الفكرة إلى منتج نهائي أمر سهل، وغيرها من الكثير من التحديات هي أمثلة لمدى صعوبة الحصول على فرصة تملك كل أو أغلب مقومات النجاح وتستطيع حل مشكلاتها والوصول إلى السوق ومن ثم يتم الاستثمار بها، لهذا أخشى أن يكون نمو هذه الاستثمارات والمبالغ في الصناديق أعلى بكثير من نمو الفرص "الجيدة" لدينا، ما يضطرهم إلى التنافس والتقاتل على الفرص الجيدة ومن ثم الاضطرار إلى المزايدات في التقييمات وهو أمر غير مرغوب فيه نهائيا أو البحث عن فرص خارج السعودية وهو كذلك لا يدعم الهدف الأساس من هذه الصناديق والتمويل.
يجب على مديري الاستثمار خصوصا من يديرون أصولا كبيرة ولديهم مهمة البحث واستثمار هذه الأموال، التريث والانتباه إلى هذه النقطة وعدم الوقوع تحت ضغط استثمار هذه الأصول بسرعة وتجنب فخ المزايدات في التقييمات لجذب الفرص إليهم، وجذب الفلاشات والأخبار الصحافية بالاستحواذ على حصة في الشركة الفلانية أو الاستثمار بالتطبيق الفلاني، ولعلنا نعد ما حصل في كثير من مديري الاستثمار حول العالم أو حتى الشركات التي استحوذت على حصص في شركات مبالغ في تقييمها وكيف حققت خسائر في نهاية الأمر. أتوقع أن البيئة تحتاج إلى وقت فقط كي تنتج لنا فرصا وأفكارا واعدة تترجم إلى منتجات وخدمات قابلة للاستثمار وتستوعب تدفق الأموال إلى هذا القطاع الوليد.
الخبرات تتراكم وتزيد، التشريعات تتحسن، الأنظمة تزداد كفاءة والحاضنات والمسرعات تكثر وأخيرا التمويل والاستثمارات موجودان، إذن هي مسألة وقت كي تتعادل وتتوافق الفرص مع الاستثمارات، التي أتمنى من الله ألا تحدث أي مبالغات أو مزايدات قبل الوصول إلى هذا التعادل، وعلى أصحاب الفرص عدم الاندفاع وراء التقييم فقط، يجب أن يعلموا أن المبالغة في التقييم الحالي لها ضرر مستقبلي على الشركة والملاك، فإذا انخفض أو لم يرتفع بشكل منطقي في الجولات التي بعدها سيكون له أثر سيئ في الشركة وسمعتها، وهنا يكون الملاك قد استفادوا في التقييم الأول وبشكل "مؤقت" لكن بكل تأكيد سيرتد عليهم بشكل سلبي في المراحل اللاحقة وهي مراحل مهمة جدا، ولهذا ذكرت في بداية المقال أن المزايدات والمبالغات في التقييم ودخول الصناديق في معارك محتملة لجذب الفرص ستشوه القطاع والضرر سيلحق الجميع ملاكا ومستثمرين.

إنشرها