«لعلكم تتقون»

|


بدأت مقاطع السخرية من عصبية الناس في الشهر الفضيل في الانتشار قبل دخول رمضان، لكنها تحولت في السياق إلى عرض مآس لم يكن لها أن تحدث لو كان الناس أكثر هدوءا وتقبلا للآخرين. المقاطع جعلت من نفسها مؤشرا لليوميات الرمضانية من الخلاف أمام محال الفول، إلى المواجهات في ورش إصلاح السيارات.
المؤسف أن بعض هذه المقاطع تجاوز الحدود في رصد الحالة النفسية والعصبية التي يعيشها كثيرون إن هم أطلقوا لأنفسهم العنان ولهرمون "الجيريلين" الذي يرسل الإشارات إلى الدماغ بأن هناك فراغا لا بد من ملئه. العصبية في رمضان تأتي من نقص الجلوكوز والماء كما يقول الأطباء. يقول علماء النفس إن الإدمان على المنبهات يمكن أن يسبب العصبية التي نشاهدها في الشوارع في رمضان، يضيف آخرون الإدمان على التدخين سبب لمثل هذه الحساسية. الحق أن كل ما سبق ذو علاقة بالعصبية التي نشاهدها في رمضان، ويحسن كثيرون حين يلتزمون بيوتهم ويتوقفون عن التسوق والاحتكاك بالناس في مواقع الازدحام ومحاولات الفوز بشيء معين حتى إن كان انتباه شخص يقود سيارته أمامك ويقف عند إشارة المرور غير متابع لتلك الإشارة ومشغول بجواله أو "سوالفه" مع جاره. أما الذين تستمر معهم هذه الحالة ليمارسوا ما فعله سائق سيارة طارد من أغضبه حتى تسبب له في حادث أدخل على أثره المستشفى فهو بحاجة إلى علاج طبي بالتأكيد.
كل هذا يحدث على الرغم من أننا نعلم أن شهر رمضان هو شهر التفاعل مع الآخرين وإعانة المحتاجين والاهتمام بمتطلبات الأقل حظا، لعل من أهم الأمور أن يتفاعل الواحد منا مع الشهر بما يتطلبه من أخلاقيات وممارسات. يركز الأدب والتراث والممارسات المحمودة في الشهر الكريم على اعتزال مباهج الحياة الدنيا، والتركيز على الصلاة وقراءة القرآن. هذه كلها ضامنات لنا بأن نكون أقل غضبا وأقرب لتحقيق مقاصد الله عز وجل من فرض الصيام على عباده حيث اختتمت الآية الكريمة بقوله تعالى "لعلكم تتقون".
عندما نتمعن في آية الصيام ومقاصدها , نعلم أن ما يجعلنا نعيش حالة نفسية وعصبية سيئة سببه ابتعادنا عن الانضباط مع مجموعة المفاهيم التعاطفية والراحمة التي تميز الصيام ومن أجلها فرض الله علينا صيام رمضان.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها