الصحافة .. صراع البقاء

|


وصلت الصحافة في مختلف أصقاع المعمورة خلال العقد الزمني الأخير إلى ذروة مواجهتها الوجودية، وأصابها العناء الشديد في البحث عن موطئ قدم بقاء لها، ضمن المنافسة المحتدمة جدا في عالم نقل وتحليل الأخبار والمعلومات والمستجدات. ورغم اختلاف حدة تلك المواجهة الوجودية من بلد إلى بلد آخر، ومن مجتمع إلى مجتمع آخر، إلا أنها تقف في غالب بلدان ومجتمعات العالم المعاصر اليوم على محك بالغ الصعوبة، اضطر عديدا من الصحف والمجلات إلى التوقف عن النشر الورقي، فذهب بعضها إلى الاكتفاء بالنشر الإلكتروني فقط، والبعض الآخر انتقل إلى متاحف التاريخ، ولا تزال البقية الصامدة منها حتى تاريخه تزداد معاناتها عاما بعد عام.
قد يظن البعض، أن هذه التحديات الجسيمة التي تواجهها الصحافة، مرتبطة فقط بالثورة المعلوماتية الإلكترونية عبر الإنترنت، وهي نظرة تثبت الإحصاءات الرقمية عدم دقتها، ذلك أنه حتى الصحافة الإلكترونية واجهت بقدر أكبر محطات هلاكها واندثارها، وهو ما حدث بالفعل في تجربتنا المحلية، التي أظهرت انخفاض أعدادها خلال "2015 ــ 2018" بنسبة 71 في المائة، منخفضة من 664 صحيفة إلكترونية مطلع الفترة إلى 194 صحيفة إلكترونية، مقابل انخفاضها خلال الفترة نفسها للصحافة المنشورة من 14 صحيفة إلى 13 صحيفة، إلا أن الأخيرة عانت كثيرا انخفاض الأعداد المطبوعة منها خلال الفترة نفسها بنسبة 52 في المائة، منخفضة من نحو 607.8 ألف عدد مطبوع مطلع الفترة إلى أدنى من 292 ألف عدد مطبوع بنهاية الفترة، وانخفاض الأعداد المبيعة منها بنسبة 52.8 في المائة، منخفضة من نحو 448.7 ألف عدد مبيع مطلع الفترة إلى نحو 211.8 ألف عدد مبيع بنهاية الفترة.
تظهر تلك الإحصاءات الصادرة عن وزارة الإعلام التطورات الكلية على مستوى الصحافة المحلية، وبالتأكيد إن مضامينها التفصيلية قد تختلف من صحيفة إلى أخرى، وما يمكن التأكيد عليه في هذا السياق، أن الصحف كافة تواجه تحديات وجودية جسيمة، خاصة تلك الصحف المعتمدة على النشر الورقي، وما يقترن بحكم أوضاعها الأعلى تكاليف مقارنة بالصحافة الإلكترونية الأقل تكلفة، إلى الحد الذي تكاد تنعدم خلاله المقارنة في هذا الجانب.
المؤكد هنا؛ أن التحديات أمام مختلف أشكال الصحافة التقليدية والحديثة، أكبر بكثير من مجرد حصرها في التحولات المعاصرة التي يمر بها عالمنا الراهن، وأنها أيضا أسرع من أي جهد بحثي يستهدف رصد الأسباب، والعوامل التي وقفت وتقف خلف ما يمر به الفضاء الإعلامي بشكل عام، والصحافة بشكل خاص! ما يعني بدوره أن أي جهود لوضع وصفات إنقاذ أو ما شابه ذلك لمختلف الكيانات الإعلامية الراهنة، قد تسقط قبل أن يبدأ العمل بها! هل يعني ذلك اليأس والقبول الحتمي بما ستؤول إليه الوقائع والأحداث الراهنة التي تمر بها مختلف مؤسسات الإعلام والنشر؟!
الإجابة بالتأكيد "لا"، فما زال لأمل الحياة وجود، وما زال لأسباب البقاء بل حتى التفوق والنجاح ما يمكن الاعتماد والرهان عليه! لعل من أهم تلك الركائز التي يمكن توظيفها في سبيل المنافسة، هو التخصص الأعمق في المجالات الحيوية التي تتحكم في الحياة المعاصرة للبشرية اليوم! وكلما كانت تلك التخصصات تهم الشرائح الأكثر عددا من البشر، جاءت النتائج أقوى وأفضل. ولا يكفي ذلك فقط، بل لا بد من الانتقال باحترافية العمل الإعلامي والصحافي إلى مستويات من التفوق والتميز، تجتذب معها اهتمام مختلف شرائح المجتمع، وبما يلبي احتياجاتهم في أي من تلك المجالات الحياتية الأقرب إليهم، التي يبحثون في خضم تحدياتها اليومية بالنسبة إليهم عن حلول وإجابات، وبما يوجد لديهم خيارات مناسبة، تتفوق في اجتذابهم نحوها، وإقناعهم بقدرة فكرية خلاقة فيها، قبل أن تحظى فقط بمجرد قناعاتهم التقليدية، التي أثبتت التجربة البشرية في عالمنا المعاصر عدم ثباتها واستقرارها على حال واحدة!
دع عنك البحث عن أسباب البقاء، التي يعني اكتفاء التفكير فيها فقط أنها الخطوة ما قبل الأخيرة للاعتراف بالنهاية، والتأكيد هنا على أن المبادرة بالتفكير والعمل لأجل التفوق والمنافسة، هو الشرط الأول وهو أيضا ما يصنع الفارق بين من يبحث عن الوقوف قويا في عالم مختلف قائم على المنافسة الشرسة، وآخر أقصى طموحه أن يبقى على قيد حياة قد لا يطول مداها، سرعان ما سيجد نفسه في متحف التاريخ.
ختاما؛ ليس هناك أصعب من أن تضع أسس بناء على أرض متحركة، وهو ما تمر به المجتمعات المعاصرة في عالمنا المتحول والمتقلب اليوم، وتزداد الصعوبة والتحديات كلما كانت التحولات أسرع وغير واضحة النهايات التي ستؤول إليها، هذا عدا التأثير الكبير جدا لتناطح الأجيال في كل مجتمع من مختلف مجتمعات العالم المعاصر، ليس ما نشهده جميعا لحظة بلحظة من بعض أصدائه عبر المنصات العديدة للتواصل الاجتماعي، إلا جزءا بسيطا مما يتشكل على أرض الواقع في كل مجتمع من مجتمعات الأرض، والله وحده أعلم؛ كيف وإلى أين يمضي ويتجه المجتمع البشري بكل تنوعاته واختلاف أطيافه؟! والله ولي التوفيق.

إنشرها