صورة التوازن الاقتصادي في الائتمان المصرفي

|

يمر الاقتصاد السعودي بمرحلة مهمة تتمثل في تنمية دور القطاع الخاص لقيادة النمو الاقتصادي والتحول عن سياسة الاعتماد على النفط، وهذا التحول الاستراتيجي لن يكون سهلا بطبيعة الحال، ولهذا تم رصد عدد واسع من المبادرات والبرامج في "رؤية المملكة 2030" لهذا الغرض، من بينها مبادرة تحفيز القطاع الخاص بأكثر من 200 مليار، وما يتم حاليا من برامج التخصيص وأيضا دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، والهدف النهائي من هذا التحول هو قيام القطاع الخاص بدوره المهم في توفير وظائف وتنمية البلاد وتنمية الاحتياطيات من العملات الأجنبية. وعلى الرغم من أنه من الصعب الحكم الآن على مدى نجاح الاستراتيجية الحالية في تحفيز القطاع الخاص لكن هناك مؤشرات أولية تبعث على الاطمئنان في هذه المرحلة المبكرة جدا من عمر هذا التحول. هذه المؤشرات تأتي من حجم الائتمان المصرفي المقدم للقطاع الخاص بنهاية الربع الأول من العام الجاري الذي بلغ نحو 1.39 تريليون ريال، بارتفاع 3.11 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بنحو 1.35 تريليون ريال للفترة المماثلة من العام الماضي وبصافي إقراض للفترة بلغ 42.06 مليار ريال.
هذا النمو في حجم الإقراض للقطاع الخاص الذي نشرته "الاقتصادية"، استند إلى بيانات مؤسسة النقد العربي السعودي "ساما"، ويشير بكل وضوح إلى حركة واسعة في الرافعة المالية التي تدل على سعي القطاع الخاص الجاد للاستفادة من الوضع الراهن والفوز بحصص واسعة في الاقتصاد السعودي وهو ما يحتاج إلى رافعة مالية استراتيجية تأتي أساسا من الإقراض الذي تمارسه المصارف ويمثل دورها الرئيس. فزيادة الإقراض بنحو 3 في المائة وبقيمة 42 مليارا، تؤكد أن القطاع الخاص يسعى إلى تحقيق نمو كبير في السنوات المقبلة، هذه النتيجة تأتي من السلوك المتحفظ للمصارف السعودية التي تحافظ على مستويات متحفظة جدا من التعثر والديون المشكوك فيها، حيث تحافظ المصارف السعودية على أقل نسبة من الديون المعدومة التي لا تتجاوز 1.5 في المائة في مقابل ارتفاع نسبة كفاءة رأس المال، وهذه المؤشرات هي التي منحت المصارف السعودية تصنيفا قويا من وكالات التصنيف الائتمانية، ولهذا فإن توجه المصارف السعودية إلى زيادة الائتمان المصرفي الممنوح للقطاع الخاص يدل على قدرة القطاع الخاص في المملكة على إدارة المرحلة الاقتصادية الراهنة وأنه يمثل فرصة كبيرة للقطاع المصرفي، كما أن في هذا إشارة إلى أن القطاع الخاص يوجه تلك الأموال إلى توسعات رأسمالية ستسهم بشكل أو بآخر في نمو عائدات المصارف من فوائد الإقراض.
من اللافت للانتباه أن يرتفع الائتمان المصرفي السعودي للقطاع الخاص بهذه الوتيرة على الرغم من إعلان الحكومة السعودية تمويل الميزانية العامة من خلال الاقتراض الذي وصل إلى 136 مليارا في عام 2018، كما أن الحكومة السعودية أصدرت عددا من الصكوك التي وصلت قيمتها الاسمية إلى ما يزيد على 298 مليار ريال، وهذا الحجم من الإصدار يضعف قدرة القطاع المصرفي على دعم القطاع الخاص، ولكن النتائج التي تظهرها البيانات تشير إلى أن القطاع المصرفي السعودي لم يزل قادرا على منح الائتمان وبقوة للقطاع الخاص، وهذا يؤكد أيضا على أن إدارة الاقتصاد السعودي تتم بتوازن كبير حيث يمكن تحقيق جميع الأهداف دون الإضرار بهيكل وعمل الاقتصاد أو إحدى دعائمه الرئيسة.

إنشرها