3 مواسم استهلاكية متتالية

|
كاتب ومستشار اقتصادي


إن شئت الدقة، فهي أربعة مواسم متتالية وليست ثلاثة، فأخيرا انتهى المستهلكون من مصاريف حفلات التخرج لأطفالهم وهي موضة استحدثت في الأعوام الأخيرة بتشجيع من المسوقين والمدارس الخاصة، ويستعد الجميع حاليا لموسم الاستهلاك الرمضاني المعتاد متبوعا بمتطلبات عيد الفطر وموسمه، حتى إذا ما اعتدل نوم الجميع بعد العيد بأيام بدأ التفكير والاستعداد لموسم الإجازة الصيفية والسفر.
هذه المواسم بلا شك تشكل ضغطا سنويا على جيب المستهلك وربما أفسدت عليه مصاريفه لبقية العام؛ ولا سيما لو تم تمويل مصاريف هذه المواسم بالاقتراض أو السحب المفرط من بطاقة الائتمان، كما أن تتابعها واقترانها بدافع التقليد أو المحاكاة Imitation للمجتمع الذي يعيش فيه الشخص يجعل الحديث عن أي ادخار خلال هذه الفترة أمرا في غاية الصعوبة، وأقرب ليكون رابعا مع الغول والعنقاء والخل الوفي.
بالتأكيد، نظريات الاقتصاد التي موضوعها الاستهلاك تفسر كثيرا من السلوكيات ومنها ما ذكرناه عن دافع التقليد والمحاكاة "مدعومة بفرضية الدخل النسبي" Relative Income، أو الميل لاستخدام الدخل الدائم Permanent Income "وليس الدخل الشخصي المتاح حاليا فقط"، كما يشرح مصطلح الميل الحدي للاستهلاك "واختصاره" MPC العلاقة بين زيادة الدخل والزيادة في الاستهلاك، وهي مصطلحات معروفة يمكن قراءتها وغيرها في أي كتاب في مبادئ الاقتصاد.
أمس أعلنت هيئة الإحصاء أن متوسط الدخل الشهري للأسر السعودية بلغ 14.8 ألف ريال في حين بلغ متوسط الإنفاق 16.125 ألف "بلغ الإنفاق الاستهلاكي 14.58 ألف ريال" وهذا يتماشى مع السياق الذي نتحدث عنه من كبر حجم إنفاق الأسر السعودية الاستهلاكي، مع علمي أن المتوسطات قد تتأثر بالأرقام المتطرفة في عينة الدراسة التي استخدمتها الإحصاءات، كما أن ارتفاع معدل الإعالة عندنا يجعل الحديث عن الدخل الشخصي أمرا غير ذي جدوى، وما يجب أن يقاس ويدعم ويقيم هو دخل الأسرة لا الدخل الشخصي.
من العوامل التي تدعم كبر حجم الصرف الاستهلاكي عند الأسر السعودية، يمكن تعداد ما يلي:
1.كبر حجم الشريحة الشابة من السكان، وهذه الشريحة تنفق كثيرا على المظهر وتهتم بنوعية السيارة وبرستيج الكافيه والمطعم وتدفع أموالا أكثر للاستهلاك، بعكس الشريحة الأكبر سنا التي قد لا تهتم بهذه الأشياء.
2.ارتفاع معدل الإعالة، فمتوسط ما يعيل الفرد السعودي نحو خمسة أشخاص «حسب التقديرات»، وهؤلاء المعالون لكل منهم مطالب واحتياجات مختلفة، وغالبا لا يفكر هؤلاء في مصادر تدبير الأموال طالما المعيل هو من يتحمل توفير جميع مستلزماتهم ومتطلباتهم.
3.تحول كثير من السلع والخدمات من كونها كماليات إلى مستلزمات ضرورية لكل فرد من أفراد الأسرة، ومنها الكمبيوتر المحمول وجهاز الجوال، وهي التي كانت إلى وقت قريب كماليات ولكنها تحولت اليوم إلى ضروريات.
4.تأجيل الشراء حتى الليلة الموعودة للموسم، فلا تشتري الأسر احتياجات رمضان إلا ليلة إعلانه، ولا مستلزمات العيد إلا قبل يومين أو ثلاثة من حلوله، ولا تخطط للسفر إلا بما يكفي من الوقت لحزم الحقائب والذهاب إلى المطار، وهذا السلوك يرفع فاتورة السلعة والخدمة على الأسرة مقارنة بمن يخطط باكرا لهذه المناسبات.
5.ارتفاع أسعار بعض السلع والخدمات في سوقنا مقارنة بالأسواق الأخرى، فقطع الغيار، وتكلفة المكالمات، وأسعار غرف الفنادق، وتكلفة استقدام العاملات المنزليات... إلخ كلها تقدم بأسعار تفوق مثيلاتها في الدول المجاورة، ما يجعلها تقتطع جزءا ليس يسيرا من دخل الأسرة.
6.تقلص كثيرا عصر الأسرة الكبيرة "أو ما يسمى العائلة الممتدة" Extended family وتحول المجتمع نحو السكن المستقل للزوجين والأولاد فقط Nuclear family، مع ما يتبع ذلك من إنفاق إضافي على السكن والمعيشة المستقلة، ولا سيما أن أسعار المساكن في المدن الرئيسة تشهد غلاء كبيرا.
7.التزايد السنوي في أسعار الواردات، ولأننا في المملكة نستورد كل احتياجاتنا الغذائية والسكنية والمدرسية والكمالية من الخارج، فنحن عرضة لتقلبات أسعار السلع، وكذلك تقلبات أسعار صرف العملات ما يضيف عبئا على المستهلك النهائي الذي يدفع بمفرده ثمن هذه التقلبات في الأسعار العالمية.
ختاما، هذا المقال بلا ختام ولا توصيات، سوى توصية واحدة للمستهلكين وأولهم كاتب هذه السطور، وهي لا تقترض للاستهلاك مهما تعددت وتتابعت المواسم، فالقرض الاستهلاكي عبء إضافي يفسد عليك تدفق دخلك الشهري وستعاني منه بقية العام وربما الذي يليه.

إنشرها