التكنولوجيا المالية من منظور تنظيمي «2 من 2»

|


جاءت استجابة الجهات التنظيمية حتى الآن في صورة فرض قيود تنظيمية متفاوتة. وفي حالة الاستمرار في اتخاذ هذه الإجراءات غير المنسقة، ستنتقل الأنشطة المالية ببساطة إلى البلدان التي تفرض قيودا تنظيمية أقل حدة في "سباق نحو القاع" في جودة الرقابة التنظيمية. ونظرا لأن الأصول المشفرة لا تعرف حدودا، فمن الضروري اعتماد منهج عالمي في التعامل معها.
وقد بدأت ملامح هذا المنهج تتضح أخيرا.
باشرت فرقة العمل للإجراءات المالية، وهي كيان عالمي معني بوضع المعايير، وضع مجموعة من الإرشادات لأعضائها حول كيفية مواجهة مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب المرتبطة بالأصول المشفرة. ويعكف مجلس الاستقرار المالي، الذي ينسق شؤون التنظيم المالي على مستوى مجموعة العشرين المكونة من أكبر الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة، على دراسة سبل مراقبة نمو الأصول المشفرة، مع التركيز على كيفية اكتشاف المخاطر المستجدة التي تهدد الاستقرار.
وقد سافرت في آذار (مارس) الماضي إلى بوينس آيرس للمشاركة في اجتماع محافظي البنوك المركزية ووزراء المالية لبلدان مجموعة العشرين الذين اتفقوا مع رأي مجلس الاستقرار المالي بأن الأصول المشفرة لا تمثل تهديدا للاستقرار في الوقت الحالي، واتفقوا أيضا على أنها قد تشكل تهديدا في وقت ما مستقبلا. وطالبوا مجلس الاستقرار المالي، وغيره من جهات وضع المعايير، بمواصلة العمل على دراسة الأصول المشفرة وتقديم تقارير عن التقدم المحرز في هذا الشأن.

دور صندوق النقد الدولي
في صندوق النقد الدولي يمكن أن نكون بمنزلة منتدى لتبادل الأفكار، وحافزا لصياغة توافق الآراء. وتتمثل مهمتنا في مراقبة الاقتصاد والنظم المالية في بلداننا الأعضاء البالغ عددها 189 بلدا، ومساعدة الأعضاء على بناء قدراتهم المؤسسية، وتقديم المشورة لهم بشأن كيفية تحسين السياسات والهياكل التنظيمية، وهو ما يمنحنا منظورا عالميا فريدا.
ولأداء مهامنا على أفضل وجه، يتعين علينا فهم التكنولوجيات المبتكرة، والتعلم منها، وربما تطبيق بعضها بغرض تحسين أطر التنظيم والرقابة والإشراف. ويكفي في بعض الحالات مجرد تطبيق الأطر التنظيمية الموجودة. وقد تتطلب حالات أخرى تطبيق مناهج جديدة مع ظهور مخاطر جديدة - بما فيها مخاطر الأمن الإلكتروني - ومع ضياع الفروق بين الكيانات والأنشطة.
وهناك على ما يبدو أمر واحد مؤكد: ينبغي ألا نؤجل اتخاذ الإجراءات اللازمة حتى تتضح الأجوبة تماما. بل يتعين علينا البدء في التفكير في الإطار التنظيمي الذي سنطبقه مستقبلا، على أن نقوم بذلك بصورة تتلاءم مع وتيرة التغير السريعة، وأن ندرك أن بعض الفرص والمخاطر الجديدة غير المتوقعة قد تظهر مستقبلا. ومن المناهج المستخدمة في هذا الصدد، كما في أبو ظبي ومنطقة هونج كونج الإدارية الخاصة وغيرهما، بناء مختبرات تنظيمية لاختبار التكنولوجيات المالية الجديدة تحت إشراف دقيق.
والأهم من ذلك أننا يجب أن نكون منفتحين على كل ما يتعلق بالأصول المشفرة والتكنولوجيا المالية عموما، ليس فقط بسبب المخاطر التي تنطوي عليها، ولكن بسبب ما لديها من إمكانات كذلك لتحسين معيشتنا. فإذا ما ساوركم الشك في ذلك، يكفي أن نستعرض قصة ألكسندر جراهام بل والهاتف.

إنشرها