القطاع المالي .. ماذا بعد؟

|


من ينظر إلى القطاع المالي، وكيف يتفاعل مع واقعنا الاقتصادي والتنموي، يجب ألا يتوقف فقط عند مؤتمر تطوير القطاع المالي الذي أنهى آخر جلساته أمس الخميس. يستحق المؤتمر بلا أدنى شك التوقف والنظر، ولكن رحلة القطاع المالي بدأت بالتطور منذ عشرات السنين بشكل يستحق الإشادة، خصوصا عندما نقارن المكتسبات بعمره القصير نسبيا، أو عندما نقارن تطوره مقارنة ببقية قطاعات السوق. يُشهد للقطاع المالي في السعودية تطوره واستجابته لكثير من المتغيرات، شاهدنا تطور الأنظمة واللوائح وإعادة الهيكلة للسوق ومؤسساتها واستقلالية الممارسات وتحسنها، وسلسلة طويلة لا تنتهي من المبادرات والتحسينات التي قطعا لن تتوقف عندما تم تدشينه، أو الإعلان عنه، أو الاحتفال به خلال اليومين الفائتين. ولكن كل هذا لا يعني أن القطاع محمي من النقد أو لم يتأثر سلبا بتكلفة الفرص البديلة التي لم تستغل بعد. سأتحدث عن هذه الجوانب بعد استعراض سريع لبعض المقتطفات من المؤتمر.
من أبرز ما شهده هذا المؤتمر تنوع وكثافة الحضور المحلي من مختلف قطاعات الأعمال إضافة إلى القطاع المالي. وهذا لا يعني افتقاره إلى الحضور الأجنبي، فالشريك الأجنبي كان موجودا وبشكل مميز، غير أن الحضور المحلي يستحق الإشادة، نتمنى رؤيته بشكل جيد ومستمر؛ فهو مطلب مهم به تحصل التفاعلات التي تضيف القيمة المحلية الحقيقية استثمارا للموارد والشراكات. توالت الإعلانات استغلالا للمؤتمر في مجالات كنا ننتظر بعضها من فترة طويلة، شملت المجالات: رأس المال الجريء، التقنية المالية "الفنتك"، وأنظمة المدفوعات والتمويل العقاري. كذلك، تأكد من خلال المؤتمر دخول المصارف العالمية إلى السوق المحلية، وهذا بلا شك أحد أكبر ملامح التغيير التي سنرى تفاعلاتها في الفترة المقبلة. تمت الإشارة بشكل مستمر في عدد من الجلسات إلى مسألة التخطيط والادخار والسلوكيات المالية الفردية، وتناول الجميع تقريبا هذا الجانب المهم من برنامج تطوير القطاع المالي، حتى شركات التأمين أكدت أهمية إدارة المدخرات على مستقبل سوق التأمين في المنطقة. من جانب آخر، استمرت التأكيدات حول أهمية أسواق الدين وجدية المبادرات القائمة والجديدة من هيئة السوق المالية و"تداول" ومكتب إدارة الدين العام، وبقية الجهات المرتبطة بهذا الجانب، إذ تنوعت التحسينات وشملت إعادة هيكلة رسوم التداول وتحفيز الاستفادة من أدوات الدين وتدشين التصنيف الائتماني عبر وكالة سمة "تصنيف". انتقالا من تاريخ القطاع المالي في المملكة وحاضره الذي رأيناه الأيام الفائتة، أذكر بمؤشرات البرنامج التي حققت حسب النشرة الربعية الأخيرة في عام 2018 تطورا واضحا في بعض المؤشرات وما زالت تتطلب كثيرا في أخرى. على سبيل المثال، يستهدف مؤشر قروض المنشآت الصغيرة والمتوسطة كنسبة مئوية من قروض المصارف الوصول إلى نسبة 5 في المائة في 2020، وهو اليوم يلامس 4 في المائة. بينما يستهدف مؤشر نسبة التركز لأكبر عشر شركات حسب القيمة السوقية النزول إلى 55 في المائة، وهو اليوم يصل إلى 62 في المائة، وقد يزداد في الأيام المقبلة مع صعود السوق. لا يظهر التقرير الربعي الوضع الحالي لعدد الأنواع المتاحة من منتجات الادخار، ولكنه يذكر بأن خط الأساس هو أربعة منتجات والمستهدف في 2020 يصل إلى تسعة منتجات، في حين تستهدف نسبة مدخرات الأسر على أساس منتظم 29 في المائة في 2020 وهي تقف أساسا عند 19 في المائة، وفي القائمة مؤشرات أخرى أتوقع أن تزداد في المستقبل القريب.
سنقف قريبا عند نتائج التحدي الضخم الذي تصنعه التقنية أمام المنظمين، والحقيقة لا يمكن تجاهل جهود منظمي القطاع المالي في مواءمة أنشطتهم التنظيمية والإشرافية مع التطورات والتغييرات. إلا أن المسألة لا تقتصر فقط على احتضان المبادرات أو القيام بها. لابد من تأسيس بنية تحتية مرنة ودائمة تهتم بالتشريعات والسلوكيات الجديدة والمتوقعة ودراسة أثرها بتوقيت جيد؛ نحن لا نبحث عن قوانين جيدة تأتي متأخرا أو مبكرا جدا، نحن بأمس الحاجة إلى حسن التوقيت التشريعي وضبط تزامن التنظيمات مع الممارسات. يعرف كثيرون حجم الخسائر التي تكبدها اقتصادنا الوطني بسبب الفسح المتأخر لبعض أنظمة المدفوعات الإلكترونية على الرغم من تطورها إجمالا على المستوى المحلي. كذلك، عندما ننظر إلى التشريعات والتنظيميات، يجب أن نأخذ في الحسبان الفصل بين المهام الإشرافية بشكل يحقق الاستقلالية المطلوبة، ويحصن المؤسسات الإشرافية من تعارض المهام وسيطرة كبار المستفيدين من خدماتها.
يجب ألا ننسى التطور الخرافي الذي حصل على الجانب الضريبي المحلي، ولا ننسى كذلك أهمية تقييم التفاعلات التي تبعت ذلك على جميع الأصعدة. كما يفخر القطاع المصرفي بنسب التوطين المرتفعة، وينبغي ألا نغفل أهمية إدارة المواهب المالية والفنية المتعلقة بالقطاع المالي. أعتقد أن الدور الذي لعبه المعهد المصرفي - على سبيل المثال - يستحق الإشادة، ولكن اليوم الوضع مختلف، فالتخصصات عميقة والشهادات المهنية متعددة والممارسات متنوعة ومتجددة؛ الخبرات السلوكية على سبيل المثال مطلب ضروري لا يمكن الاستغناء عنه. إدارة المواهب المحلية للقطاع المالي ينبغي ألا تدار بعزلة عن بقية القطاعات، فالتدوير سيحصل بشكل طبيعي والعزلة المهارية لا تفيد الاقتصاد. على سبيل المثال، تدريب مديري الخزينة على مستوى الشركات والأعمال - وإنشاء وحدات الخزينة - قد يحسن الطلب على منتجات الخزينة ويحفز تداول أسواق الدين، أما حصر تفاعلات أسواق المال في منصات محدودة لدى المصارف وبعض مديري الصناديق فلن يصنع الجموح المطلوب. أخيرا، لابد من إعادة النظر إلى هوامش الكفاءة على مستوى المؤسسات المالية وكيفية تأثير ذلك في تفاعلاتها المتبادلة. ضخامة المؤسسة المالية لا تبرر هدرها، وصغرها لا يعني تجاهل وضعها. لدينا قطاع مالي ناشئ، قوي، ومميز، والفرصة متاحة بشكل لم يسبق له مثيل، ليصبح القطاع الأقوى والممكن الأسرع لاقتصادنا الوطني.

إنشرها