تجارة الخدمات العالمية

|


تشمل تجارة الخدمات العالمية جميع الخدمات المتبادلة بين المقيمين في بلد ما مع المقيمين في البلدان الأخرى. وتتطلب معظم أشكال تجارة الخدمات وجود شركات أو أشخاص في الدول الأخرى، ومن الأمثلة على ذلك خدمات المصارف والتأمين الأجنبية. وتشمل تجارة الخدمات خدمات السفر، والنقل، والاتصالات، والخدمات المالية بشتى أشكالها، والبناء والتشييد، والحاسب، والمعلومات، والحقوق الملكية والفكرية والتأليف، وتراخيص الإنتاج، وفروع الامتياز، وخدمات الأعمال، وشبكات التسويق والتأجير، والخدمات المهنية كالاستشارات الهندسية والقانونية والطبية. وتقسم منظمة التجارة العالمية الخدمات على أساس أساليب توفيرها من قبل المنتجين، حيث يمكن تبادل الخدمات مباشرة عبر الحدود كالاتصالات، أو من خلال ذهاب المستهلكين للبلد المنتج لها كالسياحة والدراسة، أو من خلال وجود المنتجين الأجانب للخدمة في البلد الأجنبي كالمصارف والفنادق، أو من خلال وجود قوى عاملة أجنبية في البلدان الأجنبية كالخدمات الطبية الأجنبية والإنشاءات وشركات الاستشارات.
تفيد مصادر منظمة التجارة العالمية بأن إجمالي قيمة الخدمات المتبادلة بين دول العالم بلغ في 2017 ما يقارب 5.2 تريليون دولار، ووصل معدل نمو تجارة الخدمات إلى 8 في المائة في العام نفسه، وهو أعلى بكثير من نسبة نمو تجارة السلع البالغة 4.7 في المائة. صحيح أن قيم صادرات السلع تفوق قيم صادرات الخدمات بثلاث مرات إلا أن الخدمات تشكل جزءا كبيرا من السلع المصدرة وهو ما يرفع أهمية الخدمات في الصادرات. وتفيد بعض المصادر بأن الخدمات تسهم بنحو نصف القيمة المضافة من الصادرات بشكل إجمالي، بينما تشكل نحو 30 في المائة من القيمة المضافة في صادرات السلع المصنعة.
نمت تجارة الخدمات خلال العقود القليلة الماضية بمعدلات تفوق نمو تجارة السلع. وعلى الرغم من تحقيق الدول النامية والمتحولة نجاحات جيدة في تجارة الخدمات رافعة حصتها العالمية من الربع إلى الثلث خلال العقدين الماضيين، إلا أن الدول المتقدمة ما زالت تحظى بعظم تجارة الخدمات. ويظهر هذا جليا من خلال سيطرة أعضاء منظومة دول التعاون والتنمية - التي تضم الدول الاقتصادية الكبرى في العالم -على معظم تجارة الخدمات العالمية. وصدر أعضاء المنظمة نحو 70 في المائة من إجمالي قيمة صادرات الخدمات العالمية بينما استوردوا نحو 60 في المائة من إجمالي وارداتها خلال السنوات القليلة الماضية. وقد احتلت الولايات المتحدة رأس قائمة الدول المصدرة والمستوردة للخدمات، حيث بلغ إجمالي صادرات خدماتها نحو ثلاثة أرباع تريليون دولار بينما بلغ إجمالي وراداتها نحو نصف تريليون دولار في 2016، الأمر الذي مكنها من تحقيق أكبر فائض عالمي في تجارة الخدمات وصل إلى نحو ربع تريليون دولار. بعد ذلك أتت المملكة المتحدة في تصدير الخدمات حيث وصل إجمالي قيمة صادراتها إلى 350 مليار دولار تقريبا أما قيمة وارداتها فكانت بحدود 210 مليارات دولار تقريبا، وهي تملك ثاني فائض في تجارة الخدمات بعد الولايات المتحدة للعام نفسه. جاءت ألمانيا في المركز الثالث في تصدير الخدمات، ولكن صادراتها البالغة قيمتها نحو 290 مليار دولار قلت بنحو 20 مليار دولار عن وارداتها في 2016. احتلت الصين المركز الثاني عالميا في قيمة واردات الخدمات بأكثر من 440 مليار دولار ولكنها عانت عجزا كبيرا في تجارة الخدمات زاد على 230 مليار دولار في 2016.
من الملاحظ أن معظم الدول التي تتمتع بفوائض كبيرة في تجارة السلع تعاني عجزا كبيرا في تجارة الخدمات، فالصين لديها أكبر فائض عالمي في تجارة السلع ولكنها تعاني أكبر عجز عالمي في تجارة الخدمات يقارب حجمه حجم الفائض الأمريكي منها. تلت إيرلندا الصين بعجز في تجارة الخدمات وصل إلى نحو 70 مليار دولار في 2017، ثم جاءت المملكة في المركز الثالث عالميا بعجز يزيد قليلا على 50 مليار دولار في 2016. وتفيد بيانات مؤسسة النقد العربي السعودي ببلوغ صادرات المملكة من الخدمات 67.5 مليار ريال في 2017. تتشكل صادرات المملكة من الخدمات بشكل رئيس من خدمات السفر "معظمها خدمات الحج والعمرة" التي زادت قليلا على 45 مليار ريال في 2017. بعد ذلك جاءت خدمات النقل بنحو 15.7 مليار ريال، أما باقي أنواع الخدمات فكانت قيمها ومساهماتها محدودة. وتتشكل خدمات النقل بشكل رئيس من خدمات نقل الركاب. أما واردات المملكة من الخدمات فقد بلغت نحو 220 مليار ريال في 2017. وتشمل واردات الخدمات إلى المملكة جميع أنواع الخدمات مثل خدمات النقل والسفر والخدمات المالية وخدمات الأعمال والاتصالات وعقود خدمات الجهات الرسمية. ويلاحظ أن عجز تجارة الخدمات في المملكة يرتفع مع ارتفاع الفائض في تجارة السلع ويتراجع مع تراجعه، وقد يكون هذا عائدا إلى ارتفاع الإنفاق الخاص والحكومي مع تحسن الإيرادات النفطية وزيادة الفوائض التجارية ما يشجع على زيادة الإنفاق على الخدمات في القطاعين الخاص والعام. إن حجم العجز في تجارة الخدمات في المملكة يؤكد وجود حاجة قوية إلى التركيز على تنمية قطاعات الخدمات، كما أنه مؤشر على حاجة السوق إلى الخدمات وارتفاع الطلب عليها ما يثبت وجود فرص يمكن استغلالها في التنمية والتوظيف.

إنشرها