تخصيص الأندية الرياضية

|
كاتب ومستشار اقتصادي

منذ ما يقارب 15 عاما ومسؤولو الرياضة عندنا يتحدثون عن قرب تخصيص الأندية الرياضية، فبدأ حديث التخصيص منذ رئاسة الأمير سلطان بن فهد، مرورا بالأمير نواف بن فيصل، ثم الأمير عبدالله بن مساعد الذي قيل عنه حينها إن الحكومة جاءت به من القطاع الخاص لينجز ملف تخصيص الأندية، إلا أن الواقع يقول إن ملف التخصيص لم ينجز فيه شيء يذكر إلى اليوم، وتحولت الأندية الرياضية مع الوقت إلى فيلة بيضاء  White Elephant، تأكل من المال العام دون أن تسهم بريال واحد لرفد موازنة الحكومة.
والملاحظ أيضا أن حديث التخصيص خفت إلى درجة كبيرة، ولم يعد موضوعا للنقاش بين المختصين خلال رئاسة تركي آل الشيخ لهيئة الرياضة، واستمر الصمت خلال فترة الرئيس الحالي الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل. ورغم أن توقعاتي الشخصية كانت تقول ببداية التخصيص بعد أمر الأمير محمد بن سلمان ولي العهد بتسديد ديون الأندية البالغة نحو 1.3 مليار ريال في أيار (مايو) من العام الماضي، إلا أن الأمر لم يحصل، ولم يتم بدء تخصيص الأندية كما كان حدسي يقول.
بالتأكيد، استمرار دعم الأندية الرياضية من موازنة الحكومة أمر ليس مبررا، فالرياضة خصوصا كرة القدم تحولت إلى صناعة عالمية تدر الملايين بل المليارات على الأندية والدول، ويسهم فيها الأثرياء وتدعمها وترعاها الشركات الضخمة بعقود خيالية، بل أصبحت كرة القدم من أهم القطاعات الجاذبة للمستثمرين الأجانب في بلد مثل بريطانيا على سبيل المثال، فلا تكاد تمر فترة دون أن نقرأ عن تهافت مستثمرين، وبعضهم من منطقتنا على بريطانيا لشراء ناد رياضي هناك.
والملاحظة الأخرى على رياضتنا في المملكة هي عزوف الشركات الكبيرة في البلد عن رعاية الأندية بشكل فاعل، وغاية ما تفعله هذه الشركات هو وضع شعارها على ملابس اللاعبين مقابل عقد رعاية معين، وهذا غير كاف وسببه يعود إلى عدم خصخصة الأندية، وعدم تمكن هذه الشركات من امتلاك نسبة معينة من الأندية الرياضية، والدخول في مجالس إداراتها وتوجيهها بطريقة استثمارية تعود على الشركات والأندية نفسها بعوائد مجزية.
عودة للطريقة المناسبة لتخصيص الأندية الرياضية عندنا، فلا شك أن الأسئلة في طريقة التخصيص كثيرة ومنها، هل يتم تخصيص النادي كاملا، أم نكتفي بتخصيص فريق كرة القدم بعد عزله عن بقية الرياضات الأخرى؟ وكيف سيتم تحديد القيمة التقديرية للنادي، بناء على اسمه وشهرته؟ وهل ستدخل الحكومة في ملكية النادي مقابل ملكيتها لأصول ومقرات الأندية أم أنها ستؤجر هذه المقرات على الأندية وتكتفي بالإيجار عن نسبة من الملكية؟ وهل سيسمح لرجال الأعمال والأثرياء بشراء الأندية مباشرة، أم ستقتصر الملكية على الشركات في المرحلة الأولى؟ وهل سيتم طرح جزء من أسهم الأندية للجمهور مباشرة، أم سيتم اشتراط تحقيق الأندية أرباحا معينة قبل طرحها لاكتتاب الجمهور؟ وأسئلة أخرى كثيرة غيرها تتوالد من كل واحد منها أسئلة وتساؤلات أخرى.
شخصيا، لا أملك إجابة ولا حتى نصف ولا ربع إجابة عن أي سؤال طرحته هنا، ولكن باعتقادي أن إجابات هذه الأسئلة ليست صعبة متى وجدت الرغبة الجادة وتبعت بالاستراتيجية والدراسة المناسبة لتخصيص الأندية الرياضية، وكل ما أعرفه وأراه اليوم أن عوامل نجاح تخصيص الرياضة عندنا كبيرة جدا، فمجتمعنا أغلبيته من الشباب، ولدينا شركات كبيرة يمكنها المساهمة في تملك الأندية والاستفادة منها في تسويق منتجاتها وزيادة أرباحها، والتطبيقات الجديدة وشبكات التواصل الاجتماعي مستمرة بشكل مكثف في زيادة جرعات "الهوس" بكرة القدم ونجومها وأخبارها، والأثرياء مستعدون لشراء الأندية التي يعشقونها مهما كلف الثمن، وصرح الأمير الوليد بن طلال بذلك قبل أيام.
والخلاصة، أن ملف تخصيص الأندية تقاذفته الأيادي يمنة ويسرة، وكثرت فيه الوعود التي لم ينجز منها شيء  إلى اليوم، وأتمنى مع توجه الحكومة في "رؤية المملكة 2030" نحو التخصيص أن يكون تخصيص الأندية الرياضية على رأس أولوياتها، فليس من المعقول أن تدر الرياضة عوائد واستثمارات وفرصا ربحية ووظيفية في معظم دول العالم، وتبقى عندنا فيلة بيضاء تأكل الأخضر واليابس دون أن تحقق أي عائد يذكر، وأعتقد أن الوضع الرياضي اليوم في أفضل حالاته مع سداد ديون الأندية ورفدها بلاعبين أجانب كبار للبدء في التخصيص دون تأخير، والسلام ختام.

إنشرها