محو الأمية .. متطلبات العالم «السوبر- سيبراني»

|

طرحنا في المقال السابق قضية "الأمية"، وبينا أن "محوها" ضرورة لتمكين الإنسان من التعامل مع مختلف شؤون الحياة، وأن متطلبات ذلك تشهد تطورا اليوم عما كانت عليه بالأمس.  فلم تعد هذه المتطلبات تقتصر على "المعرفة" الأساسية فقط، بل باتت تشمل تفعيل "التفكير"، والقدرة على "التعامل" مع الآخرين. وسنتوجه في هذا المقال نحو مسألة "الأمية المعلوماتية"، أو ربما ندعوها "بالأمية الرقمية"، التي تتطلب استيعابا للتطور المستمر في "التقنية الرقمية" التي أعطتنا الإنترنت و"العالم السيبراني"، والتي تضيف إليها الذكاء الاصطناعي الذي بدأ يغزو مختلف مجالات الحياة، لتجعل هذا العالم "سوبر- سيبرانيا". فاستيعاب هذا التطور بات مطلبا مهما، على الأقل في إطار الحد اللازم للتعامل مع معطيات التقنية الرقمية والاستفادة منها.
"الأمي المعلوماتي أو الرقمي" ليس بالضرورة أميا في المعرفة والتفكير والتعامل مع الآخرين، فقد يكون متميزا في مجال من المجالات، لكنه لا يكون قادرا، بالقدر الكافي، على التواصل مع التقنية الرقمية والاستفادة منها لأغراضه الشخصية وعمله المهني. وتجدر الإشارة إلى أن التطور المتسارع في هذه التقنية يزيد من متطلبات محو "الأمية الرقمية"، ويرفع من مستوى صعوبتها على المبتدئين سواء كانوا من صغار السن الأقل حظا في توفر التقنية الرقمية بين أيديهم، أو كانوا من كبار السن الذين لم يتعاملوا مع هذه التقنية بالقدر الكافي من قبل.
ولا شك أن هناك فجوة بين الأجيال في مجال "الأمية الرقمية"، فجيل الشباب المولودين في ثمانينيات القرن الماضي، وما بعد، شهد عالم معطيات التقنية الرقمية بدءا من سنوات النشأة. ويسمى هذا الجيل، طبقا لتقرير مجتمع المعلومات الصادر عن "الاتحاد الدولي للاتصالات ITU" عام 2013، جيل "المواطنين الرقميين". أما الأجيال السابقة لهذا الجيل، فكانت نشأتهم مختلفة في عالم مختلف؛ ويطلق "الاتحاد" على هؤلاء لقب "المهاجرين الرقميين" لأنهم انتقلوا من عالم نشأتهم غير الرقمي السابق إلى العالم الرقمي الجديد. لكن الجميع سواء المواطنون الرقميون أو المهاجرون إليهم خاضعون للتطور الرقمي المتسارع الذي يقدم إليهم معطيات متجددة تتجدد معها "الأمية الرقمية" إن لم تجرِ متابعة هذا التطور واستيعابه.
بدأ الاهتمام بمحو "الأمية الرقمية"، التي كان الاسم المتداول لها هو "الأمية المعلوماتية"، عام 1997، حينما طرحت "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD"، التي تعرف أيضا "بنادي الدول الغنية"، ثلاثة متطلبات رئيسة لمحو هذه الأمية. يتمثل المتطلب الأول في القدرة على التعامل مع مجتمع المعلومات ومعطياته "المعرفية والتقنية"، حيث كانت "الإنترنت" قد انطلقت لتقدم خدمات غير مسبوقة حول العالم. ويهتم المتطلب الثاني بالتمكن من المعلومات، بمعنى القدرة على البحث عن المعلومات، عبر التقنية الحديثة، والحرص على توثيقها وتحديثها. ويقضي المتطلب الثالث "بالمتابعة" وتفعيل التعلم على نطاق واسع.
في عام 2003، ارتفع مستوى الاهتمام بمجتمع المعلومات ومتطلباته المعرفية الأساسية، وما يجب أن يتم بشأنه في مختلف أنحاء العالم، حيث عقدت المرحلة الأولى من مؤتمر قمة مجتمع المعلومات في جنيف. أطلقت هذه القمة تعريفا لمجتمع المعلومات يتطلع إلى جعل الجميع شركاء في المعلومات وتداولها والتجديد فيها. ويقول هذا التعريف ما يلي: "مجتمع المعلومات هو مجتمع جامع هدفه الإنسان ويتجه نحو التنمية، ويستطيع كل فرد فيه استحداث المعلومات والمعارف والنفاذ إليها وتقاسمها، ويتمكن فيه الأفراد والجماعات والشعوب من تسخير كامل إمكاناتهم للنهوض بتنميتهم المستدامة وتحسين نوعية حياتهم، وينطلق من مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ويتمسك بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان". ولبناء هذا المجتمع، وتحقيق ما يصبو إليه كان لا بد من العمل على "محو الأمية المعلوماتية".
امتدادا لما سبق، شهدت "الإسكندرية"، عام 2005، مؤتمرا برعاية "اليونسكو" حول متطلبات محو "الأمية المعلوماتية". وانتهى هذا المؤتمر بإعلان، عرف "بإعلان الإسكندرية"، الذي تضمن ثلاثة جوانب رئيسة لهذه المتطلبات. شملت هذه الجوانب: جانب "الأسس" التي تستند هذه المتطلبات إليها؛ وجانب "الإمكانات" المطلوبة؛ إضافة إلى "الأهداف" التي يمكن تحقيقها عبر هذه الأسس والإمكانات.
تضمنت "الأسس" التي تستند متطلبات محو "الأمية المعلوماتية" إليها ثلاثة أعمدة رئيسة. أولها أن هذا المحو هو حق أساسي من "حقوق الإنسان" في العصر الرقمي. ويأتي العمود الثاني داعما لسابقه ليقضي بضرورة قيام جميع "دول العالم" بتوفير الإمكانات التي تؤدي إلى تحقيق هذا المحو. أما العمود الثالث فيركز على حقيقة أن محو الأمية المعلوماتية يسهم في تعزيز التوجه نحو "التعلم مدى الحياة" الذي بات ضرورة من ضرورات عصر التسارع المعرفي الذي نعيش فيه.
وننتقل إلى "إمكانات" محو الأمية المعلوماتية كما حددها "إعلان الإسكندرية"، فقد شملت هذه الإمكانات بناء القدرة على تنفيذ خمسة نشاطات رئيسة. وتتضمن هذه النشاطات: قيام الإنسان بتحديد المعلومات التي "يحتاج إليها"؛ ثم "تقييمها" والتعرف على جودتها؛ وتأمين "تخزينها" واسترجاعها عند الحاجة؛ واستخدامها بفاعلية في إطار أسس "أخلاقية"؛ إضافة إلى الاستفادة منها والسعي إلى الإسهام في إثرائها. ونصل أخيرا إلى أهداف محو الأمية المعلوماتية، كما طرحها "إعلان الإسكندرية"؛ فقد شملت هذه الأهداف أربعة جوانب رئيسة هي: "الجانب الشخصي" المرتبط بصالح الإنسان الفرد؛ و"الجانب الاجتماعي" المتعلق بصالح المجتمع؛ ثم "الجانب المهني" الذي يعزز العمل والإنتاج؛ إضافة إلى "الجانب التعليمي" الذي يرتقي بمعارف الإنسان وإمكاناته.
ويستمر تطور "التقنية الرقمية" وتتزايد بذلك متطلبات محو "الأمية المعلوماتية"، ولعل الأصح أن نقول "الأمية الرقمية"؛ ويصبح ما تضمنه "إعلان الإسكندرية" أقل من المطلوب لمتطلبات الحياة الحديثة؛ ويرتفع بذلك المستوى اللازم لتأمين "الأهلية" اللازمة لمحو "الأمية الرقمية". ولا شك أن كل إنسان يحتاج إلى الأهلية التي تمحو "أميته" في شتى متطلبات الحياة المعاصرة: في "المعارف الأساسية المتجددة"؛ وفي "التفكير" والمحاكمة العقلية؛ وفي الحكمة و"التواصل" مع الآخرين؛ وفي "التقنية الرقمية" وما توفر له من إمكانات تجعل عمله أكثر كفاءة وفاعلية؛ وحياته أكثر رفاهية؛ وفي "التقنيات المتجددة" الأخرى وفوائدها. وتقع مسؤولية ذلك ليس فقط على الإنسان الفرد ذاته، بل على "البيئة التعليمية والثقافية والإعلامية والاجتماعية والاقتصادية" التي تحيط به.       

إنشرها