الاقتصاد السعودي ومؤشرات النمو المستقر

|

جاءت توقعات صندوق النقد الدولي لتصف عالما مليئا بالمشكلات الكبيرة سياسيا واقتصاديا، وجميع هذه القضايا لها ــ كما يؤكد الصندوق الدولي ــ أثر سلبي في قدرة العالم على إنتاج مزيد من السلع والخدمات، ومن ثم الاستمرار في اتجاه النمو والازدهار، فالمشكلة الإيرانية لا تزال تتصاعد، والارتباك السياسي في منطقة الشرق الأوسط لم يزدد إلا حدة، الغموض يشل حركة أوروبا، مع فشل بريطانيا المتتالي بشأن الخروج الآمن من السوق الأوروبية، ثم أخيرا تأتي التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين بشكل خاص لتضع مزيدا من الضغط على آفاق النمو، ومرة أخرى تظهر السعودية في هذه البيئة الاقتصادية المتوترة عالميا كمنطقة آمنة اقتصاديا، فلقد أثبتت النجاحات التي حققتها إصدارات الصكوك السعودية، سواء على مستوى القطاع العام، التي نفذتها وزارة المالية أو تلك التي جاءت على مستوى القطاع الخاص، التي نفذتها أخيرا شركة أرامكو، وهذا الإقبال الضخم الذي وصل إلى ضخ أكثر من 100 مليار دولار في الاكتتاب العالمي، كل ذلك يشير إلى أن المملكة تنعم فعلا بمرحلة اقتصادية متميزة ومطمئنة، وهو ما يمنح الجميع إحساسا بالمسؤولية تجاه ذلك، والعمل على الحفاظ على هذا الإنجاز المهم.
لم تأت توقعات صندوق النقد الدولي بجديد بشأن نمو الاقتصاد السعودي بنسب تزيد على 1.8 في المائة هذا العام، مع حفاظه على توقعاته أن يواصل الاقتصاد ارتفاعه إلى 2.1 في المائة في 2020، فلقد سبقت القرارات الاقتصادية لكثير من المؤسسات العالمية هذه التوقعات، وكما أشرنا فإن الإقبال على الصكوك التي تصدرها مؤسسات الاقتصاد السعودي بمختلف شرائحها يشير إلى هذا، كما أن دخول السوق المالية السعودية إلى التصنيفات العالمية، والإقبال الكبير على الاستثمار فيها من قبل الصناديق العالمية، يقدمان دليلا آخر، كما أن الجهود التي تبذلها المملكة للحفاظ على أسعار متوازنة للسوق النفطية تعالج كثيرا من المشكلات العالمية، وتجعل نمو الاقتصاد السعودي مؤشرا للاستقرار العالمي.
في المقابل فإن توقعات الصندوق للنمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تتراجع، مع ازدياد حدة الركود في الاقتصاد الإيراني؛ بسبب العقوبات الأمريكية وضعف أسعار النفط. وهنا تكمن المقارنة بين دولة تعمل على ضمانات الرخاء والاستقرار والاستثمار في اقتصادها والعالم، وبين دولة تعبث بمقدرات شعبها وتعرضه للنكسات، في مقابل طموحات غير مشروعة، وتمويل منظمات ثبت للعالم أنها إرهابية، فلقد أكد تقرير صندوق النقد الدولي نتيجة تمويل الميليشيات الإرهابية وتغذيتها على الاقتصاد الوطني لأي دولة، ونتيجة العمل الجاد والصادق إلى دعم النمو العالمي وتوازنه وحماية مقدرات الشعوب.
ومن اللافت أن نمو الاقتصاد العالمي يتأثر بشكل صريح بالقضايا الشائكة سواء في أوروبا أو في التجارة العالمية، فالقدرة على إنتاج السلع والخدمات تتراجع طالما هناك عودة للوراء نحو الحمائية والحرب التجارية، وهي مرحلة كان الاقتصاد العالمي قد تجاوزها، وها هي الآن تعود مع اختلالات حادة في الميزان التجاري بين الدول، وهو الاختلال القادم أساسا من اختلالات في العوامل الجيوسياسية بين تلك الدول، وقد لا يمكن حل هذه المشكلات القائمة ما لم يتم حل مشكلة توازن الميزان التجاري، وأن تدرك بعض الدول الكبرى أن عليها مسؤولية معالجة هذا الاختلال في الاقتصادات التي تتعامل معها، وهذا يحتاج إلى عمل كبير، وما لم يحدث تقدم في هذا الجانب، فستستمر الآثار السيئة للعلاقات المتوترة في التجارة العالمية في النمو العالمي، فالصندوق يضع ثالث خفض متوقع لنمو الاقتصاد العالمي منذ تشرين الأول (أكتوبر)، مشيرا إلى تحمل الاقتصادات الرئيسة، ومن بينها الصين وألمانيا، مسؤولية اتخاذ إجراءات على المدى القصير لمعالجة مشكلة تراجع النمو. 

إنشرها