التحديات الأربعة للقطاع الخاص .. الإنقاذ والعلاج

|

تلخيصا لما سبق في المقالين السابقين؛ أظهرت بيانات سوق العمل المحلية بنهاية 2018، استقرار معدل البطالة بين المواطنين عند 12.7 في المائة (6.6 في المائة "ذكور"، 32.5 في المائة "إناث")، وتسجيل إجمالي العمالة الوطنية في القطاعين الحكومي والخاص انخفاضا بنسبة 1.6 في المائة (صافي انخفاض بنحو 50.2 ألف عامل وعاملة). في الفترة ذاتها ارتفع إجمالي العمالة الوطنية في القطاع الحكومي بنسبة 1.8 في المائة (زيادة 25.3 ألف عامل وعاملة)، ليستقر إجمالي عددهم بنهاية العام عند نحو 1.4 مليون عامل وعاملة (879.2 ألف "ذكور"، 528.1 ألف "إناث")، مقابل انخفاضهم في القطاع الخاص للفترة نفسها بنسبة 4.2 في المائة (انخفاض بنحو 75.5 ألف عامل وعاملة)، ليستقر إجمالي عددهم بنهاية العام عند أعلى من 1.7 مليون عامل وعاملة (1.2 مليون "ذكور"، 542.4 ألف "إناث").
وبالبحث عن كيفية مساهمة القطاع الخاص في خفض معدل البطالة بين المواطنين، فلا بد أن ينجح هذا القطاع للوفاء بهذا الأمر، في تحقيق معدل نمو حقيقي سنوي لا يقل عن 7 في المائة سنويا وفقا لدراسات صندوق النقد الدولي (منذ تراجع معدل نمو القطاع إلى 5.4 في المائة خلال 2014 حتى تاريخه، ارتفع معدل البطالة من 11.5 في المائة إلى 12.7 في المائة بنهاية العام الماضي). لكن كيف للقطاع الخاص تحقيق ذلك النمو، في الوقت ذاته الذي يواجه أربعة تحديات رئيسة، وقع القطاع الخاص ضحية للتحديين الأول والثاني، ودفع لوجودهما ثمنا باهظا ومكلفا لأقصى حد، ما اقتضى بدوره تدخلا حكوميا سريعا وجادا لإنقاذه منهما. في حين تسبب القطاع ذاته من خلال مقاومته للعلاج، في وجود التحديين الثالث والرابع، الذي دفع ثمنه الباهظ هذه المرة الاقتصاد الوطني والموارد البشرية الوطنية.
تلخصت تلك التحديات فيما يلي؛ التحدي الأول: التستر التجاري، الذي تسبب وجوده وتغلغله في بيئة الأعمال المحلية في القضاء على أبسط درجات المنافسة، وتشكل كخصم لدود تسبب في طرد المنشآت الوطنية من السوق، أو بتقليص حصصها السوقية. التحدي الثاني: تشوهات السوق العقارية، التي اجتذبت عوائدها القياسية الحصة الأكبر من الأموال والمدخرات، سواء باكتنازها في مجرد أراض بيضاء دون أي تطوير أو تكلفة، أو بتدويرها في مضاربات محمومة على الأراضي، لتسقط أمام الأرباح الطائلة لاكتناز الأراضي والمضاربة عليها بقية خيارات الاستثمار في الفرص الاقتصادية والاستثمارية! أضف إليه؛ أن تضخم أسعار الأراضي والعقارات والإيجارات نتيجة لتلك التشوهات، انعكس سلبيا على أداء منشآت القطاع الخاص، بارتفاع تكاليف التشغيل والإنتاج، التي أصبحت تواجه رسوما تنظيمية عديدة ومرتفعة، إضافة إلى آثار إصلاح أسعار استهلاك الطاقة، ما أضعف كثيرا من حظوظ تلك المنشآت في النمو والاستقرار، وأضعف بالتأكيد من قدرتها على زيادة توظيفها للعمالة الوطنية.
التحدي الثالث: السيطرة الكبيرة للعمالة الوافدة على أغلب وظائف القطاع الخاص، التي جاءت على حساب العمالة الوطنية، انتهى الأمر بالعمالة الوطنية إلى تهميش وجود أغلبها في تلك الوظائف، وإلى ارتفاع معدل البطالة بين صفوف الموارد البشرية الوطنية. ولم يقف الأمر عند ذلك الحد؛ بل تخطاه إلى أبعد من ذلك بتسليم العمالة الوافدة إدارة وقيادة دفة منشآت القطاع الخاص. التحدي الرابع: استمرار إدمان القطاع الخاص على الإنفاق الحكومي الجاري والرأسمالي بشكل أكثر تحديدا، وعجزه عن النهوض بقاعدته الإنتاجية وتنوعها، إضافة إلى استمرار اعتماده المفرط على التحفيز الحكومي عبر خفض تكلفة استهلاكه للطاقة والموارد الناضبة محليا (تجاوزت فاتورة الاعتماد المفرط والدعم والتحفيز للقطاع 5.3 تريليون ريال طوال ثلاثة عقود مضت).
لقد تسبب التحدي الأول (التستر التجاري) في تآكل الحصص السوقية للمنشآت الوطنية، ومن ثم انخفاض معدلات الربحية، في الوقت ذاته الذي تمتعت المنشآت القائمة على التستر والغش التجاريين بكثير من المرونة، إلا أنه مع بدء تطبيق البرنامج الوطني لمكافحة التستر التجاري، سيتحول كل ذلك عكسيا لمصلحة المنشآت الوطنية، والمتوقع مع التقدم الناجح والجاد لمهام البرنامج أن تتساقط المنشآت المخالفة بالمئات منها، ويفتح بدوره فرصا واعدة أمام المنشآت الوطنية الملتزمة، وقناة إيجابية لزيادة التدفقات الداخلة عليها بعشرات المليارات، بعد أن كانت تذهب دون وجه حق إلى منشآت مخالفة قلبا وقالبا. فيما لا يزال التحدي الثاني (تشوهات السوق العقارية) جاثما على كاهل عموم منشآت القطاع الخاص، من خلال استمرار ارتفاع تكلفة تملك أو إيجار الأراضي أو العقارات، وأثر ذلك سلبيا في ارتفاع تكاليف التشغيل والإنتاج، وحد كثيرا من برامج توسع نشاطاتها وإمكانية زيادتها للتوظيف، دع عنك احتمالات نموها ومساهمتها في تعزيز نمو الاقتصاد الوطني. كما تسبب التضخم الكبير في أسعار الأراضي والعقارات وإيجاراتها في تقليص قدرة تلك المنشآت على التكيف مع نتائج التحدي الرابع تحديدا (إصلاح أسعار الطاقة، ورسوم العمالة الوافدة).
اللافت هنا بالنسبة للتحدي الثاني؛ أن جميع مسارات تطبيق البرامج التنفيذية لـ"رؤية المملكة 2030"، تكاد تسير بسرعة متقاربة إلا مسار تطبيق نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، الذي ما زال متأخرا عن بقية مسارات تطبيق بقية البرامج، وهو النظام الذي يستهدف محاربة أشكال الاحتكار والمضاربة على الأراضي كافة، التي وقف وجودهما (الاحتكار والمضاربة) خلف أغلب التضخم الكبير في الأسعار، ما يعني أن حدوث تحولات ملموسة على هذا المسار كما هو مأمول، فإن انعكاساته ستأتي إيجابية جدا على منشآت القطاع الخاص، لتنخفض من ثم تكاليف التملك والإيجار، وتنخفض بدورها التكاليف الثابتة والمتغيرة على كاهلها، ما سيضاعف بدوره من قدرتها المالية، وقدرتها على التكيف مع التحولات الراهنة التي يمر بها الاقتصاد الوطني عموما، والقطاع الخاص على وجه الخصوص.
وللمرء أن يتخيل حجم المكاسب الكبيرة جدا، التي يمكن أن تتحقق لمنشآت القطاع الخاص نظير التقدم المأمول على طريق التحديين الأول والثاني، بما يحملانه من زيادة كبيرة في الحصص السوقية والتدفقات الداخلة من جانب، ومن جانب آخر انخفاض تكاليف التشغيل والإنتاج من جانب آخر، وكيف أن كل ذلك سينعكس إيجابا على قدرة منشآت القطاع الخاص، التي ستتوافر لديها إمكانات أكبر وأوسع من حيث زيادة معدلات نموها، وزيادة قدرتها على توظيف أعداد أكبر من العمالة الوطنية، وفي الوقت ذاته زيادة قدرة القطاع للتكيف سريعا مع ما حمله ويحمله التحدي الرابع المشار إليه أعلاه.
بقي التحدي الثالث (سيطرة العمالة الوافدة)، الذي يظل القرار الأهم في معالجته من عدمها بيد ملاك وأرباب منشآت القطاع الخاص، دون إغفال أهمية سياسات وبرامج التوطين، وأن تتحول نظرتهم تجاه العمالة الوطنية نحو مزيد من الثقة بها، ومنحها فرصا أكبر للوصول إلى المستويات العليا من إدارة وقيادة تلك المنشآت بالدرجة الأولى، وتمكينها من فرص العمل الرئيسة لا الهامشية، وأن كل ذلك سينعكس إيجابيا على الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص في الأجلين المتوسط والطويل.
ختاما؛ تقع مسؤولية الضرورة القصوى لأجل تجاوز التحديين الأول والثاني على كاهل الأجهزة الحكومية ذات العلاقة، وهو ما يمثل في حقيقته (إنقاذ) القطاع الخاص، أما بالنسبة لمسؤولية تجاوز التحديين الثالث والرابع فتقع على ملاك وأرباب منشآت القطاع الخاص (العلاج)، والتأكيد هنا على أن تجاوز تلك التحديات مجتمعة، مرهون بتكامل جهود الأطراف كافة (أجهزة حكومية، قطاع خاص)، وهو ما وفرت بيئته اللازمة حتى تاريخه "رؤية المملكة 2030"، ولم يبق سوى حراك تل

إنشرها