تسارع كبير في العمل الحكومي

|
كاتب ومستشار اقتصادي


يحسب لـ"الرؤية" ومهندسها الأمير محمد بن سلمان ولي العهد أنها منذ انطلاقتها، حولت الأجهزة الحكومية إلى ورش عمل كبيرة، وأحدثت فيها نقلة لافتة، وشهدت الأنظمة والإجراءات الحكومية كثيرا من التغيير والتطوير وما زالت، كما استحدثت برامج وأنظمة جديدة لم تكن موجودة، ولم تكن ستوجد - على الأقل بهذه السرعة ذاتها - لولا وجود "الرؤية" نفسها.
والأجمل في الموضوع أن المبادرات والبرامج التي أسندت إلى الأجهزة الحكومية لم تكن بلا متابعة ولا مراقبة، بل أوجد مركز لقياس أداء هذه الأجهزة وتقدم عملها ومقارنة أدائها بطريقة علمية، وبمعايير عالمية معروفة للمتخصصين في قياس الأداء، ويرأس مجلس إدارة المركز ولي العهد شخصيا، اسمه الكامل: المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة "أداء".
قبل أسبوعين أعلن المهندس إبراهيم نياز مدير مركز "أداء" في حديث لقناة العربية تحقيق منظومة التجارة والاستثمار المركز الأول في الأداء حسب تقييم المركز، وتشمل منظومة التجارة والاستثمار وزارة التجارة والهيئات والبرامج المرتبطة بالوزير ماجد القصبي مثل هيئة الاستثمار، هيئة المقاييس، هيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة، هيئة المقيمين المعتمدين... إلخ.
شخصيا، لم أفاجأ بتحقيق وزارة التجارة والاستثمار المركز الأول في الأداء، فقد قدر لي حضور عدد من الورش واللقاءات التي تقيمها الوزارة، وأعرف عن قرب الجهود الكبيرة التي تبذلها، والأهم أن مسؤوليها مستمعون جيدون للمقترحات والآراء وحتى الانتقادات، كما أن الوزارة متفوقة بدرجة ممتازة في استخدام التقنية سواء في تلقي البلاغات مثل بلاغات الغش التجاري، أو في تسهيل الأعمال التجارية مثل منصات "مراس" و"قوائم" و"معروف" وغيرها. كما أطلقت الوزارة حملة كبيرة على التستر التجاري بمشاركة ثماني جهات، وأعلن ماجد القصبي أخيرا إنشاء بنك لتمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة، والأخيرتان من أهم المحفزات للأعمال وتوطينها في المملكة.
بالتأكيد، تسنم وزارة التجارة والاستثمار صدارة ترتيب الجهات الحكومية في الأداء أمر ممتاز، ويسعدني كثيرا بصفتي اقتصاديا، لأن تميز عمل الوزارة ينعكس بشكل مباشر على بيئة الأعمال والاستثمار في البلد، وأتمنى أن يحرك تصنيف المركز الجهات الأخرى، خصوصا التي في ذيل القائمة للتفوق على نفسها وتحسين أدائها لتنافس على المراكز الأولى، ولا سيما و"الرؤية" حددت الأهداف وأطلقت البرامج والمبادرات، وما على الجهات الحكومية سوى التنفيذ الحسن لها.
كما أتمنى أيضا أن ينشر المركز تقريرا ربعيا أو نصف سنوي يوضح فيه التحسن والتطور في أداء الجهات الحكومية، بما يرفع وتيرة التنافس بينها لتحسين خدماتها، وأن ينتقل المركز في المرحلة الثانية من عمله لمقارنة أداء الأجهزة الحكومية بدول مختارة في المنطقة والعالم؛ لنعرف مدى التحسن الذي حدث ويحدث في تقديم الخدمات الحكومية للمستفيدين. بالطبع، تطور الأداء والإجراءات وتسهيل الخدمات في القطاع الحكومي أمر مهم وضروري للتنمية، فالقطاع الحكومي هو المشرع والمراقب والداعم والميسر لقيام المشاريع وتنمية القطاعات الاقتصادية والاستثمارية الربحية وغير الربحية، فلا يمكن أن يتطور القطاع الخاص ولا القطاع غير الربحي دون وجود قطاع حكومي متطور، يدعم ويساند ويراقب أداء هذين القطاعين.
ومع التسارع الكبير في تطور الجهاز الحكومي وأنظمته، ينبغي ألا نغفل تطوير الموارد البشرية فيه، فمهما كان التطور والتحسين في الأنظمة والإجراءات جيدا إلا أنه يظل غير كاف بلا موارد بشرية مؤهلة ومختارة بعناية لتوجه هذا التحسن والتطور في العمل والإجراءات لخدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والمستدامة في المملكة.
ورغم إطلاق وزارة الخدمة المدنية ووزارة العمل عددا من المبادرات في هذا الصدد، وتعديل وتحسين عدد من اللوائح والإجراءات المتعلقة بالموارد البشرية إلا أنهما ما زالتا في البداية، وما زالتا ينقصهما الكثير لنقول باطمئنان وثقة إننا حصلنا على جهاز حكومي ينافس أمثاله العالمية، ولذا أرى أن يتم التركيز خلال العامين المقبلين على موضوع اختيار وتدريب وتأهيل الموارد البشرية المناسبة في القطاع العام، التي ستتولى بدورها قيادة التغيير وتوجيهه نحو تحقيق الأهداف الكبيرة لـ"الرؤية" والاقتصاد.

إنشرها