جائزة الملك فيصل وحائزوها

|

قبل أربعة عقود أطلقت جائزة الملك فيصل العالمية، وتحديدا في عام 1977، لتمنح للجدير بها من العلماء تكريما لإسهاماتهم البارزة في خدمة الإسلام، والدراسات الإسلامية، واللغة العربية والأدب، والطب، والعلوم. لن أحدثكم عن تحكيم الجائزة واختيار الفائزين، فذلك أمر واضحة صرامته. وفي كل سنة تتاح الفرصة لحضور الحفل، أشعر ببهجة غامرة، لأكثر من سبب، لعل أبرزها سلوك العلماء الفائزين؛ كيف يتحدثون عندما يكرمون، وكيف يتحركون من حيث هم على المنصة إلى أن يصافحوا خادم الحرمين الشريفين والأمير خالد الفيصل لتسلم الجائزة. ومحل الاهتمام بالنسبة لي ليست الحركة الميكانيكية لمشيهم، بل مفارقة المشي بخطوات أنهكها العمر لكن ما برحت همة صاحبها عالية وحماسه ظاهرا. أتحدث هنا عن أشخاص جلهم يراوح بين الـ70 والـ80 من العمر. وبعد مشي تلك الخطوات، نستمع إلى كلمات متسقة، يستودع الفائز في ثناياها أسرار نجاحه وخبايا بروزه، وإن لم يقصد أن يفصح عنها. لتجد الأغلب منهم يبدو في عباراته وكأنه يبرر كيف أن للآخرين حقا في الجائزة لا يقل عن نصيبه هو! فأحد ينسب الفضل لأسرته، وآخر يجير الفوز لزملائه من الباحثين ولطلابه ولمختبره ولجامعته، وثالث لأستاذه الذي احتضنه يافعا وأعطاه فرصة العمر. بالأمس، خرج أحد الفائزين بجائزة الطب عن بحوث هشاشة العظام فجلب ثلاثة أسباب: أسرة محبة متكاتفة، بيئة بحث مستقل، وتضحية لتحقيق التطلعات. عند التمعن في أسبابه وكأنه نسب ما حققه إلى عوامل عدة سوى نفسه! وخرج فائز آخر ليحدثنا بشغف وحنو على جامعة سعودية في مقتبل العمر، قابلت اعتداده بجامعة "كاوست" وتفاؤله بمستقبل واعد لها، وهو عالم مخضرم قضى فيها سنوات، مع حدة البعض في نقدهم لها وتقطيب حواجبهم لمستقبلها! لا يتسع المجال لاستخلاص العبر من كلمات لعلماء ألقوها وهم في عنفوان الإنجاز وقمة العمر، لكنه يتسع لمقترح لن يصعب تنفيذه هو رصد تلك الكلمات في موقع الجائزة، ولا بأس من تكليف باحث للنظر في حياة هؤلاء واستخلاص سماتهم وسمتهم وعوامل نجاحهم وبروزهم، بل إخراج فيلم عن قصص عاشها بعضهم في لحظات لامعة أو ومضات حزينة. إن من أجمل الأفلام التي شاهدت هو "عقل جميل" لإحصائي موهوب اتهم بالجنون لينتهي الأمر به أن يفوز بجائزة نوبل للاقتصاد في عام 1994، ويترك قصة ترويها أجيال بعده لإنجازات مبدعة وسيرة محيرة.

إنشرها