مواجهة ومقارعة التطرف .. دروس من نيوزيلندا

|


لقد فتح الهجوم الإرهابي على مسجدين في نيوزيلندا عيون العالم على أن مواجهة التطرف، دون اللجوء إلى العنف ممكنة، رغم قناعتي أن المتطرفين من أي وجهة كانوا قد لا يستسيغونها.
لقد وضعتنا العملية الإرهابية هذه كلنا، باختلاف ميولنا وأعراقنا وأدياننا ومذاهبنا، أمام خيارين لا ثالث لهما:
الأول، يتمثل في المواقف الإنسانية السامية للضحايا وذويهم. والثاني، يتمثل في الموقف الرائع والسامي الذي اتخذته السلطات النيوزيلندية في تعاملها مع هذا الحادث المروع.
قد يتساءل القارئ: ما الجديد في هذا؟
هناك الكثير يجب علينا تعلمه من ضحايا المسلمين وذويهم من هذه الجريمة المروعة، ومن الطريقة التي تعاملت الحكومة وقطاعات الشعب المختلفة في نيوزيلندا معها.
قد لا يعلم القارئ الكريم أن التطرف قبل كل شيء هو كلمة أو خطاب. والمتطرف يرفض ويستهجن، لا بل يعادي ويحارب، مستخدما أبشع أنواع العنف، أولا لوأد كلمة أو خطاب الطرف الذي يكرهه، ومن ثم ترجمة خطاب الكراهية الذي يتبناه إلى ممارسة عنيفة مثل الجريمة الإرهابية في نيوزيلندا التي راح ضحيتها 50 مسلما في جامعين في مدينة واحدة.
دعنا أولا نحلل الخطاب الذي يتبناه التطرف الأبيض أو التطرف العنصري في الغرب، ونقارنه مع خطاب المسلمين وذويهم من الذين نجوا من المذبحة، ومعهم خطاب أركان الحكومة والمؤسسات وأفراد الشعب من النيوزيلنديين.
هذه المقاربة والمقارنة تنطبق بدرجات متفاوتة على الخطاب الذي يتبناه المتطرفون في الشرق الأوسط مثلا أو في أي مكان آخر من العالم.
أركان أو منظرو التطرف الأبيض الذين يرون أن العرق لديهم أسمى من أي عرق آخر لن يقبلوا تحت أية ظروف تبني خطاب الضحايا. والخطاب هنا أقصد به اللغة والأطر التي ترافقها والممارسات التي تعكسها.
يقول مفكرو ومنظرو التطرف الأبيض "وهنا أستند إلى دراسات أكاديمية رصينة": إن أول لبنة في محاربة التطرف الإسلامي تكمن في نبذ المصطلحات والممارسات والنصوص الرائجة بين المسلمين بصورة عامة. ولهذا يربطون الإسلام من خلال عملية تعميم مشوهة بالإرهاب.
ويقولون أيضا إن أفضل وسيلة لمحاربة المسلمين والمتطرفين في صفوفهم هي اللجوء إلى لغة أو خطاب يشبه الفيروس أو الوباء الذي يصيب خطابهم في الصميم، ومن ثم يستنبطون أطرا خطابية فيروسية جديدة كي تظهر المسلمين أمام العالم أنهم الوباء بعينه. ومن هذا المنطلق أضحت في كثير من الأحيان أية إشارة إلى الإسلام أو كتابه أو ممارساته وطقوسه مثار شبهة أو خطر داهم في أغلب البلدان الغربية.
والخطاب الفيروسي يلجأ إليه المتطرفون في الشرق الأوسط أيضا. وهنا أعني خطاب التكفير لدى بعض المجموعات الذي يجرد الآخر المختلف حتى من بني قومه ودينه، من إنسانيته.
في نيوزيلندا حدث العكس تماما. بدلا من الخطاب الفيروسي، لجأ المسلمون إلى خطاب التسامح وإيواء الآخر، وإن كان يقع في خانة المتطرفين من البيض العنصريين. مسلم مقعد فقد زوجته في المذبحة المروعة يقول إنه يغفر للإرهابي المجرم، ويطلب من الله أن يهديه إلى الصلاح. ناطور الجامع يستقبل الإرهابي بواحدة من أروع الأطر الخطابية في كل لغات البشر ألا وهي: "مرحبا يا أخي"، ولم يدر في خلده أن الإرهابي هذا هو نتاج ثقافة الكراهية التي تستند إلى الخطاب الفيروسي في مواجهة الآخر.
وتحولت الجوامع في نيوزيلندا إلى مزارات تحيطها باقات الزهور والورود. الألوان المختلفة من البشر تهرع إلى معانقة أي مسلم تعرفه وتعزيه وتبكي معه.
وبسرعة مذهلة، دخل الكل على خط الخطاب الحميد والكلمة الطيبة بينهم الفنانون والموسيقيون. لقد شاهدت رسوما انتشرت مثل النار في الهشيم على الشبكة العنكبوتية منها امرأة بيضاء تعانق امرأة مسلمة سمراء ومحجبة عناق المحبة ومشاركة الألم. هذه الصورة طغت على كثير من الشوارع في نيوزيلندا. محاربة التطرف لا تكون من خلال تبني خطاب فيروسي، كما تفعل المجموعات والحكومات التي تميل صوب التفوق العنصري.
محاربة التطرف تكون من خلال معايشة وقبول وإيواء الآخر من خلال عدم الخوف والخشية من المشاركة في خطابه وطقوسه وتلاواته وممارساته.
وهذا ما فعلته رئيسة وزراء نيوزيلندا عندما اتشحت بالسواد حزنا وتحجبت عند زيارتها للعائلات المسلمة التي فجعتها العملية الإرهابية المرعبة.
وعند افتتاحها أول جلسة للبرلمان بعد الحادث، خاطبت المشرعين ومن خلالهم الشعب النيوزيلندي بالتحية الإسلامية: "السلام عليكم".
ولم تكتف بهذا، بل سمحت لإمام أن يستهل الجلسة بآيات من الذكر الحكيم والكل واقف بإجلال احتراما للتلاوة وحزنا على الضحايا.
وذهبت نيوزيلندا أبعد من هذا عندما صدح صوت الآذان لأول مرة في تاريخها من قنوات الإذاعة والتلفزيون النيوزيلندية تزامنا مع مراسم الدفن لمجموعة من المسلمين من ضحايا الإرهاب.
محاربة فيروس التطرف تفشل من خلال استخدام فيروس أشد فتكا كردة فعل. لقد أوت نيوزيلندا جاليتها الإسلامية وحصنتها وحمتها وأدخلت السكينة إلى القلوب من خلال ممارسات تقبل الآخر وتتعايش معه قولا ولفظا وممارسة وخطابا.

إنشرها