المسؤولية الاجتماعية للمصارف

|
كاتب ومستشار اقتصادي


يعرف البنك الدولي المسؤولية الاجتماعية للشركات المساهمة Corporate Social Responsibility CSR بأنها "التزام الشركات بالمساهمة في التنمية المستدامة، من خلال العمل مع موظفيهم وعائلاتهم والمجتمع المحلي والمجتمع ككل؛ لتحسين مستوى معيشة الناس بأسلوب يخدم التجارة ويخدم التنمية في آن واحد" (حسين الأسرج، 2012، تفعيل دور المسؤولية الاجتماعية للشركات في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول العربية).
ويعرف الاتحاد الأوروبي المسؤولية الاجتماعية بأنها "مفهوم تقوم الشركات بمقتضاه بتضمين اعتبارات اجتماعية وبيئية في أعمالها وفي تفاعلها مع أصحاب المصالح على نحو تطوعي" (المصدر السابق).
ومع تعدد التعريفات إلا أنها تتفق على أن مفهوم المسؤولية الاجتماعية مفهوم تطوعي، فيه التزام أخلاقي غير مكتوب، تتعدى فيه مسؤولية المصرف أو الشركة المفهوم الربحي إلى أن تكون مؤثرة في الإنسان والمجتمع والبيئة المحيطة بها. مناسبة هذا الكلام هو انتشار خبر الأسبوع الماضي عن فرض ضريبة قدرها 20 في المائة على أرباح المصارف في المملكة، ورغم نفي الخبر إلا أن سببه معروف، وهو أن المصارف الأجنبية عندنا تدفع 20 في المائة ضريبة –حسب قانون الاستثمار الأجنبي- في حين لا تدفع المصارف السعودية سوى الزكاة ومقدارها 2.5 في المائة، وهو ما يضعف منافسة الأولى للثانية.
شخصيا -وحتى مع نفي الخبر- لا أرى جدوى فرض ضريبة على أرباح المصارف، وإنما رأيي الشخصي هو إلزامها بإنفاق ما يعادل 10 في المائة من أرباحها في مجالات المسؤولية الاجتماعية. ورغم أن كلمة "إلزام" تتناقض مع مفهوم التطوع الذي تقوم عليه المسؤولية الاجتماعية، إلا أن المصارف لم تلتزم طوعيا بمسؤوليتها الاجتماعية، ولا بد إذن مما ليس منه بد كما يقولون، ويجب إلزامها بقوة النظام، حيث لم تنفع المقالات والتقارير والاستجداءات والانتقادات شبه المستمرة في التزامها بمسؤوليتها طوعا.
منطلق مطالبتي بإلزام المصارف بدفع 10 في المائة من أرباحها للمسؤولية الاجتماعية يعود لأسباب أربعة هي:
أولا: المصارف المحلية لدينا تحتكر السوق احتكار قلة، وليس هناك منافسة حقيقية بينها في السوق، وحتى مع دخول عدد من المصارف الخليجية والأجنبية إلا أنها لم تضف للسوق شيئا يذكر ولم ترفع المنافسة فيها، وإنما اكتفى بعضها بفرع واحد أو اثنين في العاصمة وبقيتها دخلت كوكالات جاءت لمشاركة الكبار فقط ولم تخدم السوق بشيء.
ثانيا: المصارف المحلية تتمتع بميزة لا تجدها في أي دولة أخرى في العالم –حسب قراءتي- وهي أن 63 في المائة من الأموال المودعة لديها هي أموال مجانية لا تدفع مقابلها أي فوائد، وكلما زادت معدلات الفوائد كما يحصل اليوم زادت أرباح المصارف بلا أي تكلفة إضافية عليها.
ثالثا: رفع مساهمة المصارف الاجتماعية سيقربها للناس والمجتمع أكثر، ويجعل الناس شاكرة لها وممتنة لما تقدمه لهم ولمجتمعهم ولبيئتهم، وهذا أفضل للمصارف من فرض ضريبة أرباح عليها تدفعها مرغمة بقوة النظام دون منة أو فضل منها.
رابعا: إنفاق المصارف 10 في المائة من أرباحها وتحت إدارتها الجيدة سينشأ عنه مشاريع ووحدات تزيد في نمو الاقتصاد، وفرص إيجاد العمل، وهو ما يتماشى مع "رؤية المملكة 2030"، التي تسعى لرفع إسهام المسؤولية الاجتماعية في النمو الاقتصادي والاجتماعي للبلد.
ختاما، أعلم أن بعض المصارف اليوم يقوم ببعض المسؤولية الاجتماعية، ولكن هذا بالتأكيد غير كاف منها؛ فالمساهمات الاجتماعية ما زالت ضئيلة، وأرى أن تكون المسؤولية الاجتماعية إلزاما عليهم بتوجيه 10 في المائة من أرباحهم لها، فالمصارف لدينا لا تدفع ضريبة ولا تدفع فوائد على الجزء الأكبر من الودائع عندها، وتحتكر السوق الكبرى في العالم العربي احتكار قلة، وبالتالي فإن إلزامها بدفع 10 في المائة للمسؤولية الاجتماعية لن يؤثر شيئا يذكر في أرباحها، وهو أفضل لها في كل الأحوال من فرض ضريبة على أرباحها بمعدل 20 في المائة، وأتمنى أخيرا أن نرى تحركا من قبل المصارف و"ساما" لدعم برامج المسؤولية الاجتماعية عبر برنامج معلن بجزئياته وتفاصيله.

إنشرها