الاقتصاد الإيراني بعد 40 عاما «3»

|


في العمودين السابقين تحدثنا عن تفاصيل الحالة الاقتصادية في إيران، الثورة ونتائجها ولكن بات واضحا أن أحد اهتمامات النخبة الحاكمة هو دور إيران في الإقليم واستعدادها لدفع الفاتورة الاقتصادية، ما يضيف بعدا آخر يتمخض في مقارنة أداء الاقتصاد الإيراني بالدول المشابهة في الحجم ودول الإقليم الرئيسة، المقارنة مهمة خاصة أنها تأخذ بعدا آخر في الثقافة الفارسية، حيث التباهي أحد أوجه التعامل مع الآخرين، ولذلك يأتي التقصير بتكلفة نفسية ومعنوية مجتمعية مؤثرا. طبقا لتحليل نادرة شاملو مستشارة رئيس اقتصاديي البنك الدولي في المنطقة سابقا فإن أفضل مقارنة مع كوريا الجنوبية وفيتنام وتركيا ثم المكسيك والمملكة وإسرائيل. بسبب التقارب في الحجم السكاني والمراحل التنموية والأهداف التصنيعية وأخيرا الموارد النفطية.
في 1950 كان الاقتصاد التركي "الدخل القومي الاجمالي GDP" أعلى من إيران بنسبة 22 في المائة، بينما كوريا وفيتنام نحو 60 في المائة من حجم الاقتصاد الإيراني، آخر سنة "عادية" لإيران كانت 1977 كان الإيراني أعلى من التركي بنسبة 26 في المائة و65 في المائة أعلى من الكوري و5.5 ضعف الفيتنامي، في 2017 بلغ حجم الاقتصاد التركي الاسمي 2.4 ضعف الإيراني والكوري 7.2 ضعف وفيتنام 70 في المائة من الإيراني. تعتبر فيتنام نمرا آسيويا صاعدا. في 1960 كان الاقتصاد الإيراني رقم 29 في العالم وتركيا في المرتبة الـ13 وكوريا الـ33، في 1977 أصبحت إيران رقم 18 وتركيا 20 وكوريا 28 وفيتنام ارتفعت من 87 إلى 46. المكسيك والمملكة من دول مجموعة العشرين، بينما لا تزال إيران أكبر من مصر وإسرائيل وجنوب إفريقيا، في 1970 كانت المملكة رقم 43 وإيران رقم 28 وتركيا رقم 20 وإسرائيل 39 وكوريا 33، في 2017 أصبحت إيران رقم 27 والمملكة رقم 20 وتركيا 18 وإسرائيل 32 وكوريا 13. تدحرج إيران على مدى عقود واضح لكن ما يهم الناس في الأخير ليست هذه الجداول التي يحكمها الحجم السكاني والموارد ولكن تتبع دخل الأفراد.
في العقود الثلاثة التي سبقت الثورة ارتفعت حصة الفرد من الدخل القومي بنسبة 320 في المائة بينما في العقود الأربعة الأخيرة ارتفعت بنسبة 100 في المائة، حيث سجلت تباطؤا واضحا. في 1980 كانت حصة الفرد الاسمية في إيران 2374 دولارا وفي تركيا 2169 وفي كوريا 1711 وفيتنام 514، في 2108 إيران 4838 وتركيا 11125 وكوريا 32774 وفيتنام 2482. اذا أخذنا عشرة دولارات كدخل يومي للفرد فإن نحو 20 في المائة من السكان تحت هذا الخط ونحو 20 في المائة عند هذا الخط أو قريبين منه "يبدو أن مستويات الفقر أعلى من هذا لأن متوسط الرواتب نحو 600 دولار". خسارة إيران كانت واضحة في هروب طبقة رجال الأعمال والرواد والمقاطعة ولكن بعد مضي أكثر من 30 عاما على الحرب لم تعد عذرا مقبولا، لكن الفساد وسيطرة الحرس الثوري على قطاعات مهمة جعل دور المبادرين ورجال الأعمال محدودا، ما أعاق النمو الاقتصادي وتوزيع الدخل بناء على القدرات والكفاءة والإنتاجية. أحد المعايير المهمة في الفرق بين الواقع والكامن مدى المشاركة العمالية وهذه في إيران تصل إلى 45 في المائة وهذه نسبة منخفضة.
الواضح: إن الثورة لم تنجح اقتصاديا ولعل السبب الرئيس في الاقتصاد السياسي: الخيارات العامة، حيث اختارت النخبة الإيرانية التوسع الإقليمي على حساب الاقتصاد وبالتالي تحمل تبعات الخصومات والحروب بالوكالة وعلى حساب جودة معيشة الفرد الإيراني. أمام إيران فرصة بحكم حجمها وثرواتها وطاقة سكانها ولكن لا تزال السياسة أهم من الاقتصاد والرخاء لدى إيران الثورية.

إنشرها