حساء الضفادع

|


في عام 2006 كلفتني "أرامكو السعودية" بتوثيق تجربة طلابها الأوائل في الصين. في هذه المقالة القصيرة؛ سأسترجع بعضا مما كتبته عنهم وقتئذ، بعد أن وجه ولي العهد بإدراج اللغة الصينية ضمن المقررات الدراسية، خلال زيارته المثمرة إلى بكين. لقد بدأت القصة في صيف 1998 عندما أرسل برنامج الابتعاث الخارجي في "أرامكو السعودية" عشرة طلاب سعوديين لمتابعة دراستهم في الصين لأول مرة، وسط تطلعات وقلق كبيرين.
لم يكن المشهد مشجعا عندما وصل هيثم زمزمي ورفاقه إلى مدينة شيامين "جنوب الصين" في 15 أيلول (سبتمبر) 1998.
لقد كانت مدينة (خديجا) في طور التكوين. شوارعها ناقصة. عمائرها بلا رؤوس. منازلها رثة. صينيون يتراكمون على دراجة هوائية واحدة يكادون يتساقطون من فوقها.
يقول هيثم إن اللغة الصينية تتكون من نحو 48 ألف رمز. ويجب عليه ورفاقه أن يتقنوا ما بين ستة وثمانية آلاف رمز على الأقل خلال عامين كي يدخلوا الجامعة والتمكن من استيعاب المحاضرات.
يتذكر الطلاب السعوديون الوليمة الكبيرة التي أقامها مدير الجامعة للدفعة الأولى القادمة من الشرق الأوسط.
يقول هيثم إن المائدة كانت مملوءة بأصناف الطعام المختلفة. وطالبهم المضيف بالأكل دون قلق كون كل الأطباق تخلو من لحم الخنزير، ما دفع السعوديين إلى تذوق جميع الأصناف بلا ريبة أو توجس. وهم يقفلون عائدين إلى منازلهم، سأل أحد طلابنا مدير الجامعة عن حساء معين تهافتوا عليه بسخاء. فرد عليهم بأنه "حساء الضفادع".
يتذكر محمد القاضي، أحد طلاب الدفعة الأولى في الصين: "حسبناه حساء دجاج، كوننا حديثي عهد، وقتئذ، بالبهارات الصينية". واجه الطلاب السعوديون الأوائل في الصين تحديات ضخمة وهائلة. تجاوزوها بتوفيق الله ثم إرادتهم.
كان معظمهم يخرج من الجامعة ليذهب إليها. يصرف جل مكافأته على معلمين صينيين خاصين يدرسونهم في فصول مسائية، ليستطيعوا الحصول على القبول في الجامعة وإجادة اللغة تدريجيا.
لم تكن أمامهم خيارات أخرى. إما النجاح وإما النجاح.
بعد 24 شهرا من قدومهم إلى الصين، حان موعد اختبار تحديد القدرات HSK أمام الطلاب السعوديين. ولله الحمد اجتازوه بكفاءة.
لقد تخرجت الدفعة الأولى من السعوديين في الصين من تخصصات هندسية وعلمية مختلفة، مهدت الطريق لغيرهم.
زمزمي اليوم من كبار مهندسي وقياديي مصفاة "أرامكو" في الصين وزملاؤه ماهر الشودري، ومشعل الخربوش، وصالح الخبتي، ومحمد القاضي وغيرهم، يتبوأون مناصب، ويديرون ملفات مهمة في "أرامكو" وغيرها. حققوا الكثير وسيحققون أكثر. كان المشوار شاقا، لكن النتيجة كانت مبهرة أكثر مما نتصور.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها