لائحة محفزة للموارد البشرية

|
كاتب ومستشار اقتصادي


صدرت بداية هذا الأسبوع عن وزارة الخدمة المدنية اللائحة التنفيذية للموارد البشرية، ومن اطلع على تفاصيلها التي جاءت في 11 بابا وبلغ مجموع موادها 261 مادة، يجد أن اللائحة جاءت محفزة ومرنة وممكنة للجهات الحكومية وبعيدة عن المركزية التي كانت سائدة في عمل الخدمة المدنية سابقا.
اللائحة التنفيذية الجديدة أتت محصلة دراسة عام كامل عقد خلاله أكثر من 70 ورشة عمل وشارك فيه ما يزيد على 150 متخصصا وخبيرا من أكثر من 17 جهة حكومية. وتم فيه عقد مقارنات مع أنظمة ثلاث دول تم اختيارها كمعيار مقارنة من بين عدة دول تمت دراسة تجاربها وهي أستراليا وكندا والإمارات.
اللائحة الجديدة أعطت صلاحيات وتفويضا كاملا للوزراء ورؤساء الأجهزة الحكومية لإدارة الجوانب الوظيفية والبشرية في الجهات التي يشرفون عليها، من حيث الاستقطاب بأنواعه كافة، وما يلي ذلك من جوانب ترتبط بحياة الموظف طوال خدمته من ترقية وتدريب ونقل وتكليف وإعارة وغيرها.
كما لم تغفل اللائحة جوانب أخرى مهمة ومحفزة كانت تخلو منها اللوائح السابقة، مثل مكافأة المتميزين، والترقية الاستثنائية، ومرونة وقت الدوام بما لا يزيد على ساعتين، ومرونة بعض الجوانب الوظيفية التي لا تقبل التأجيل مثل تحوير الوظائف ورفع مستوياتها.. إلخ، وكل هذا يعد نقلة جميلة في عمل القطاع العام في المملكة.
اللائحة أيضا راعت كثيرا من الحالات الإنسانية للموظف فزادت إجازة الوضع للموظفة من 60 يوما في اللائحة السابقة إلى 70 يوما في اللائحة الجديدة، وتستطيع أخذها قبل أربعة أسابيع من موعد الوضع وليس من يوم الوضع كما كان سابقا. وزادت إجازة وفاة أحد أقارب الموظف حتى الدرجة الثالثة من ثلاثة أيام إلى خمسة أيام، وأدخلت إجازة الكوارث – لا سمح الله - لتكون إجازة للموظف حينما لا يستطيع الوصول إلى مقر عمله وكانت سابقا تحسم من رصيده. كما جعلت أيام الغسيل لمرضى الفشل الكلوي أيام إجازة ولا تحسم من الرصيد، ورفعت إجازة الموظف حينما يرزقه الله بمولود من يوم واحد إلى ثلاثة أيام، وعدلت في لائحة الإجازة المرضية ليحصل الموظف فيها على ستة أشهر براتب كامل وستة أشهر بنصف الراتب وسنة بربع الراتب.
يوم الأربعاء الماضي أتيح للكتاب والمهتمين لقاء سليمان الحمدان وزير الخدمة المدنية وكبار المسؤولين في الوزارة لمناقشة بنود اللائحة، ودارت الأسئلة عن كيفية ضمان التطبيق العادل للائحة الجديدة، وعدم استغلال التفويض والتمكين من قبل بعض الجهات الحكومية بشكل يخالف الغرض الذي تهدف إليه اللائحة، وقد طمأن الوزير الجميع بأن الوزارة تفطن لهذا الشيء، وتعمل على الحوكمة الجيدة لتطبيق اللائحة.
ولمنع أي تجاوزات تم تشكيل فريق كامل لمراجعة الوقوعات التي تتم في الجهات الحكومية في مجالات التوظيف والترقيات وغيرها، كما كفل النظام للموظف حق التقاضي بداية من الجهة الحكومية مرورا بوزارة الخدمة المدنية فالقضاء الإداري، إضافة إلى ذلك، فإن لدى الوزارة قناعة بأن إدارات الموارد البشرية في الجهات الحكومية على درجة وحس كبيرين بالمسؤولية، وهو ما يضمن حسن تطبيق اللائحة.
وأكد الحمدان- وهو ما أتفق معه تماما- أن اللائحة الجديدة تعد نقلة وتحولا جوهريا في العمل الحكومي، حيث عملت الوزارة على تبني مفهوم الموارد البشرية واستحداث إدارات للموارد البشرية في كل جهة حكومية وربطها بالمسؤول الأول في الجهة وإعطائها صلاحيات واسعة. مضيفا أن الوزارة ربطت إلكترونيا مع إدارات الموارد البشرية في الجهات الحكومية؛ وهو ما يعني توافر ودقة المعلومات للوزارة، وهو ما يمكنها من لعب دورها الأساسي في تطوير العمل الحكومي وتأهيل الكادر الوظيفي والارتقاء بجودة الأداء بعيدا عن الدور التنفيذي والمركزي الذي كانت تقوم به الوزارة قبل اللائحة.
ختاما، تبني مفهوم الموارد البشرية الواسع بدلا من مفهوم شؤون الموظفين الضيق الذي كان سائدا في عمل الجهات الحكومية وتمكين هذه الجهات من إدارة شؤونها والبعد عن المركزية أمور في غاية الأهمية، وتتماشى مع "رؤية المملكة 2030"، وتدعم التقارب بين القطاعين العام والخاص؛ وتسهل عملية التحول للتخصيص الذي تهدف إليه "الرؤية"، وبدأت بعض خطواته. ولكن يبقى سؤالي الاقتصادي الأهم، وهو أننا في المملكة صرفنا كثيرا على الموارد البشرية، وصرفنا على التعليم وزدنا عدد الجامعات والمعاهد، وأرسلنا المبتعثين بالآلاف لأفضل جامعات العالم فوجا تلو فوج، ولكن هذه التنمية البشرية لم تنعكس على مؤشراتنا الاقتصادية، فالواضح أن هناك فجوة وخللا بين مؤشرات التنمية البشرية ومؤشرات الاقتصاد، وهذه الفجوة تتعدد أسبابها، وكل يراها من زاويته، وأترك الحديث عنها لمقال آخر.

إنشرها