عندما يكون الشغف مطبا

|


حتى الحب، "إذا زاد عن حده ينقلب إلى ضده"، وهذا قانون طبيعي يشمل علاقتنا مع الناس والأشياء كذلك، فالتوازن مطلب مع كل أمر. ومع أن إدارة الأشياء خصوصا الاهتمامات الشخصية والأهداف الحياتية تتطلب مقدارا معتبرا من الشغف – الذي يصعب قياسه – إلا أن المبالغة في الشغف قد تقوم بتأثير سلبي مثبط يتحول إلى العقبة الكبرى في طريق تنفيذ ما نقدم على تنفيذه. يحاول كثير من المحفزين والموجهين الربط بين الأفراد، وما يقومون به باستخدام فكرة الحب والشغف "اتبع شغفك"، وهذا مقبول بل هو مطلوب، ولكن إلى حد ما. المبالغة في ربط الشغف بالأداء لها عواقب وخيمة وبعضها خداع وخطير يجر الفرد معه إلى طريق غير منتجة، لم يكن يرغب فيها في الأساس.
في استبيان للأعمال الناشئة من أحد باحثي وادي السيليكون، أشار 70 في المائة من المشاركين إلى أن الشغف كان أحد أهم الأسباب التي عطلت تقدمهم! وفي تجربة علمية قام علماء من جامعة ستانفورد وصلوا إلى أن التركيز المبالغ فيه، والناتج عن الشغف يسبب انحرافا عن النتيجة المطلوبة، وربما يعطل الهدف والأداء بالكامل. ومن تجربة شخصية، رأيت من يعجز عن القيام بالتغيير الملائم استجابة للظروف من حوله بسبب ما يراه تمسكا بشغفه الأصيل، وهذا يحصل كثيرا عند تأسيس المشاريع الناشئة واختيار التخصص وتغييره، وعند اكتشاف وتجربة اهتمام جديد.
القاعدة الأهم التي لا ينفيها هذا الموضوع المهم هو أن الشغف وقود فعال لاستمرار العطاء، وربما يكون في بعض الحالات الدافع الوحيد لتجاوز المطبات والعقبات. ولكن ينبغي أن يتم التفاعل مع الشغف بقدر من المرونة، أي أن يكون مرتبطا بالممارسة والتجربة، قابلا للتغيير والتشعب، وأن يتم تحسينه وضبطه بعد العطاء "أي الإنتاجية"، وبعد المراقبة "أي الفهم".
ولكن كيف تحدث التأثيرات السلبية للشعف الزائد عن الحد؟ هناك بضعة محاور يمكن التوقف عندها. الأول يكمن في أن الشغف الشديد يسبب العتمة الأفقية، إذ يصبح الشغف واضحا وجليا، ولكن كل ما عداه ضبابي وخفي. وهذا بدوره يقود الفرد - سواء كان عملا مؤسسيا أو هدفا شخصيا - إلى التقوقع داخل دائرة شغفه، فيفقد الحس الاستراتيجي الذي ينظر به إلى مجموعة من الأبعاد والعناصر بطريقة متوافقة ومنسقة. يتجنب هنا الفرد النظر في الطرق الأخرى التي يمكن له اكتشافها وسلكها، مع أنها قد تكون أقصر إلى هدفه، ويقلل من تأثير العوامل الخارجية التي قد تكون المحدد الرئيس لوجوده، فيبدأ في التفاعل مع عملائه بأنانية وجهل تسويقي يسعى خلف بيع منتجات "الأنا" الشخصية وليس الاستجابة لاحتياجات الآخرين، وينسى دوره في الاجتماعي الذي يعود عليه بفوائد أكبر من تلك التي يمده بها شغفه.
المحور الثاني أن الشغف المبالغ فيه يفقد الشخص الإحساس بالوقت. وهذا أمر خطير، لأنه ممتع. إحدى ميزات الشغف الاستمتاع بالوقت لدرجة النسيان، وهذا أمر يستمتع به من يحبون أعمالهم وهواياتهم. ولكن أي مبالغة في هذا الأمر تصنع نتائج سلبية لا غنى عنها. من ذلك، استمرار التعامل مع منتج فاشل، واستمرار العمل مع فريق ضعيف، واستمرار الوجود في مكان سيئ. وقد تطول المسألة لدرجة أن الشغف قد ينتهي بالشخص في مكان بعيد وخال من الأصدقاء بعد أن بلغ من العمر ما لا يمكن تعويضه. قد يقول قائل لا حرج في الأمر ما دام مستمتعا، ولكن، هل أخذ ذلك في الحسبان مسبقا؟ هل كان سيقبل بهذه النهاية لو كان يعرف حتميتها؟ هو حتما يستحق أفضل من ذلك. ومن ينس الوقت ينس من حوله كذلك؛ لو قلنا إن التفاعل مع الناس مسألة شخصية، يتبقى تقدير الناس، خصوصا القريبين الذي يدعمون الفرد ويساعدونه ولكنه لا يراهم، مع الوقت الذي لا يشعر به سينساهم ولن يعتبر وجودهم.
يتحول الشغف مع المبالغة إلى هاجس ووسواس يجعل تأثير الفشل أكثر سلبية بدلا من أن يكون درسا للتعلم. عندما يربط الشخص الشغف بفعل محدد ويربط مؤشر الأداء هنا بنتيجة هذا الفعل التي تظهر للناس – كالفوز في المسابقات أو الحصول على الإطراء – يربط هنا هذا الشخص قيمته بتقييم الآخرين له، وليس برضاه عن ذاته. في مثل هذه الحالات التي يطلق عليها "الشغف الهوسي" obsessive passion يفتح الشغف أبواب القلق والتحفظ وربما يوصل إلى الإحباط والاحتراق.
قد نخلط بين الهدف والشغف ولكن الفرق بينهما كبير، فالهدف يرتبط بالمرحلة النهائية والنتيجة التي نود الوصول إليها في أي رحلة. بينما يرتبط الشغف بالدافع الذي نصنعه للاستمرار في هذه الرحلة، فهو أقرب إلى الوقود من محطة الوصول. ولهذا تعاملنا مع الوقود كنتيجة نهائية نود الوصول إليها يؤدي إلى الاحتراق وخسارة الجهد والوقت. لهذا، تشير أبحاث الأداء والحوافز إلى تعريف النجاح وأهمية معرفة محددات هذا النجاح، هل هي ذاتية أم خارجية؟ هل هي ما نريد أم ما يريده الآخرون؟ وبناء عليها تبنى الأهداف ويستجمع الشغف كما يجب أن يكون.

إنشرها