جولة ولي العهد .. استراتيجية سعودية إقليمية وعالمية

|

أحداث الزيارة التاريخية المهمة التي قام بها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لباكستان، تتحدث عن نفسها، بأبلغ الصيغ وأوضح الصور. إنها زيارة أكدت على أعلى المستويات مدى عمق العلاقات التي تجمع الرياض بإسلام أباد، كما قدمت الحقيقة مجردة، تدعمها الأرقام الحقيقية، والمشاعر المخلصة، والتاريخ الصحي الصانع لها. وباكستان التي شاركت مباشرة في توسعة الحرمين الشريفين برمزيتها المقدسة، هي نفسها التي تشارك في "ورشة" التنمية الضخمة في المملكة. وهي "أي باكستان" ستلتحق في غضون أعوام بركب الاقتصادات العالمية الكبرى. لهذه الأسباب وغيرها يكتسب "مثلا" إنشاء مجلس التنسيق المشترك مع المملكة أهمية كبرى، يعزز العلاقات ويحفز التجارة بين البلدين. وفي النهاية العلاقات بين الرياض وإسلام أباد تبقى من النوع الذي يحتذى بين الأمم، للمصلحة الوطنية لكل أطرافها.
باكستان عبرت عن حبها للمملكة من خلال زيارة ولي العهد على كل صعيد. وكل تعبير احتل مكانه في المقدمة، من الجانب الشعبي الذي رسم "لوحة" عاطفية لا تحتاج إلى شرح، إلى الرسمي والاجتماعي والاقتصادي والاستراتيجي. الاحتفاء الشعبي الهائل قابله، تقليد الأمير محمد بن سلمان أعلى وسام للجمهورية الباكستانية. وهذه رمزية أخرى أظهرت قوة وعمق العلاقة بين البلدين. مرة أخرى، علاقة تعطي مثالا يحتذى لمن يرغب من الدول في إقامتها، ويجلب الخير لشعبه. فالمصالح التي تستند إلى مثل هذه العلاقة تظل مستدامة متطورة يلفها التجديد المتواصل. ولعل هذا يفسر، ما قاله كبار المسؤولين الباكستانيين إن الاستثمارات المصاحبة للزيارة التاريخية، ستكون الأكبر في تاريخ باكستان.
في المقابل هناك 264 مشروعا باكستانيا في المملكة، ويتصدر القطاع الخدمي التراخيص الاستثمارية. وهذا أساس آخر يضاف إلى الأسس العميقة الموجودة منذ سنوات طويلة بين الطرفين. والتفاصيل في هذا المجال طويلة، بما في ذلك عزم الشركات السعودية على الاستثمار في البتروكيماويات والتعدين في باكستان. وهذه نقطة حرص المسؤولون في إسلام أباد على إبرازها، نظرا لأهميتها الاستراتيجية. لكن الأمر يشمل كل شيء تقريبا، وبدا هذا واضحا من خلال الاتفاقيات التي تم إبرامها خلال زيارة ولي العهد، التي بلغ حجمها أكثر من 20 مليار دولار. إنها اتفاقيات طبيعية بين بلدين تجمعهما قواسم مشتركة بلا حدود. وتكفي الإشارة هنا إلى أن نمو الناتج المحلي لباكستان بلغ في العام الماضي 5 في المائة، ما يعزز تلقائيا تلك الاتفاقيات الواسعة النطاق.
إنها اتفاقيات تشمل الطاقة والخدمات والترفيه والسياحة، وغير ذلك من قطاعات. وكل اتفاقية هي في الواقع جزءا أصيلا من "رؤية المملكة 2030"، التي فتحت البلاد لآفاق جديدة على الصعيد الاقتصادي. أضف إلى ذلك رؤية الأمير محمد بن سلمان المعروفة في هذا المجال، ولا يترك مناسبة إلا ويؤكد عليها. وتسند هذه الرؤية إلى إيمانه العميق بالمنطقة ككل، وأهمية الاستثمار فيها، وكل ذلك يصب في هدفه الأسمى، وهو أن تتحول منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة عظيمة بقدراتها وأهميتها وموقعها ودورها. تتعدى المسألة هنا العلاقات الثنائية العميقة، لتشمل كل المنطقة التي يحق لها أن تكون في المقدمة دائما.
ليس هناك حدود للعلاقات بين الرياض وإسلام أباد. وهي علاقات من نوع يطرح الخير لشعبي البلدين، ويصنع أدوات قوية ومحورية لتحقيق حلم ولي العهد في منطقة "شرق أوسط" عالية القيمة والجودة. هذه الزيارة ستدخل التاريخ من كل أبوابه، تلك التي تخص البلدين، وغيرها التي تخص المنطقة بأكملها. إنها استراتيجية سعودية إقليمية عالمية.

إنشرها