الطاقة المتجددة تفاجئ «المستشرفين»

|


استشراف المستقبل سواء الاقتصادي أو الاجتماعي أو غيرهما، مطلب رئيس وضرورة ملحة، وهو من أهم أدوات تحقيق الخطط الاستراتيجية، ولن يكون ذلك فاعلا إلا بوجود مراكز معتبرة تقوم بعمل "دراسات مستقبلية"، مبنية على بيانات ذات جدوى يقوم بمعالجتها مختصون؛ فتنتج من ذلك معلومات ذات قيمة تغذي هذه الدراسات؛ فتنعكس إيجابا على مخرجاتها ودقتها. يجب أن تمتاز هذه الدراسات بالديناميكية ومتابعة التغيرات التي تطرأ على مدخلات المواضيع محل الدراسة وبشكل دوري، حيث يتم تقييمها لتقويمها. مخرجات هذه الدراسات لا يمكن اعتبارها بأي حال من الأحول مسلمات ذات طبيعة جامدة، فقد تتغير التوقعات بصورة بسيطة غير ذات تأثير، وقد تتغير وبشكل كبير وفي زمن قصير، وما الطاقة المتجددة محل هذا المقال إلا خير دليل على ذلك. في شهر تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2017 كتبت مقالا بعنوان "الاستشراف ضرورة ولكن"، ذكرت فيه أن العالم ليس بمنأى عن تقلبات مفاجئة وظروف مختلفة قد تؤثر كثيرا في مخرجات بعض الدراسات المستقبلية، وهذا شيء وارد بل طبيعي في عالم معقد كعالم الطاقة وصناعتها، ولذلك نجد أن ديناميكية هذه المراكز وسرعة استجابتها لمتغيرات الأسواق الفنية والجيولوجية وغيرهما تنعكس إيجابا على تقاريرها الدورية، وهذا ما يميز المراكز عن بعضها بعضا.
حتى الأسبوع السابق كنت أعتقد، بناء على بعض الدراسات الاستشرافية من مراكز وجهات مختصة يعتد بها، أن الطاقة المتجددة لن تشكل إلا 8 في المائة تقريبا من مصادر الطاقة العالمية بحلول عام 2040 وأن الوقود الأحفوري، الذي يتكون من النفط والغاز والفحم سيشكل قرابة 87 في المائة، وستكون 5 في المائة من نصيب الطاقة النووية. وبحسب توقع هذه الدراسات سيكون ترتيب مصادر الطاقة في عام 2040 على التوالي "النفط، الغاز، الفحم، الطاقة المتجددة، الطاقة النووية"، حيث سيزيح الغاز الطبيعي الفحم من المرتبة الثانية ليصبح ثالث أهم مصدر للطاقة في العالم. اطلعت على تقرير شركة بريتيش بتروليوم الأخير، الذي قد يكون مفاجئا للبعض فيما يخص الطاقة المتجددة، حيث إن "بريتيش بتروليوم" ترى أن النفط سيبقى متربعا على عرش صدارة مصادر الطاقة العالمية في عام 2040 بنسبة 27 في المائة، ويأتي بعده الغاز الطبيعي بنسبة 25 في المائة، والحقيقة ليس فيما سبق أي مفاجأة؛ فجل الدراسات المستقبلية توقعت ذلك وبنسب متقاربة فيما يخص النفط والغاز. اللافت أن الطاقة المتجددة ستحتل المرتبة الثالثة كمصدر للطاقة في عام 2040 بنسبة قد تصل إلى 23 في المائة، ومن ثم الفحم الطبيعي بما يقارب 20 في المائة، وأخيرا الطاقة النووية بنسبة 5 في المائة. وارتفاع النسبة المتوقعة للطاقة المتجددة كمصدر عالمي للطاقة في عام 2040 من 8 في المائة إلى قرابة 23 في المائة، أي بارتفاع يصل إلى 187 في المائة هو مفاجئ بلا شك، ومؤشر مهم لتطور هذا النوع من الطاقة من حيث الكفاءة والتكلفة، وهما من أهم عناصر الجذب للمستثمرين في هذا القطاع وللمستهلكين على حد سواء. كما ذكرت سابقا أن الدراسات المستقبلية ديناميكية تتغير بتغير مدخلاتها، فمن كان يتوقع أن يصل إنتاج النفط الصخري الأمريكي إلى قرابة ثمانية ملايين برميل يوميا، بينما كانت تتوقع بعض الدراسات المستقبلية أنه لن يتجاوز ثلاثة ملايين برميل يوميا في عام 2035!

إنشرها