الصحة النفسية في حاجة إلى الاهتمام

|


الصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة البدنية، بل إن المرض الجسماني ربما يسهل اكتشافه وعلاجه في كثير من الأحيان أسهل من المرض النفسي. ولا شك أن الخلل في الصحة النفسية يحمل المجتمع أعباء كبيرة ويعرضه وأفراده لمخاطر كثيرة. لذلك ينبغي معالجة المرض والحد من مضاعفاته، وآثاره على المريض والمجتمع على حد سواء، ولكن أهم من ذلك السعي إلى الوقاية منه قبل حدوثه من خلال التعرف على مسبباته. وتتسبب الأمراض النفسية في كثير من حالات العنف الأسري والجرائم الجنائية التي تؤدي في بعض الأحيان إلى كوارث أسرية، وجرائم مؤلمة.
وتكمن أهمية الصحة النفسية في تأثيرها في جودة الحياة للفرد والمجتمع، وليس هناك مجتمع معصوم من المشكلات النفسية. فعلى سبيل المثال، تشير نتائج المسح القومي للصحة النفسية في مصر إلى أن 25 في المائة يعانون المشكلات النفسية، في حين تصل نسبة من يعانون أمراضا نفسية إلى نحو 7 في المائة من المجتمع المصري. وربما لا تكون الأوضاع الصحية النفسية في الدول العربية الأخرى بأحسن حال من الوضع في مصر، ولكن البيانات المتوافرة عن المشكلات والأمراض النفسية وكذلك العقلية محدودة جدا، إما لعدم وجودها أو لحساسيتها وعدم الرغبة في نشرها.
في المملكة، قام مركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة بالتعاون مع جهات داخلية وخارجية بإجراء مسح وطني للصحة النفسية، وأظهرت نتائج المسح أن 45 في المائة من السعوديين تعرضوا لاضطرابات نفسية في مراحل حياتهم المختلفة، منهم 36 في المائة تعرضوا لاضطرابات القلق، و4 في المائة لاضطرابات التعاطي والإدمان. وعلى الرغم من أهمية هذا المسح وأمثاله، إلا أن بياناته "محتكرة" لم تتح للباحثين الآخرين لإجراء بحوث جادة ومتنوعة!
ونتيجة لتزايد الأمراض النفسية، يعاني بعض الأسر قلة المؤسسات العلاجية والمستشفيات المتخصصة لتشخيص الوضع الصحي النفسي لأبنائها الذين يعانون مشكلات نفسية، ومن ثم تقديم العلاج المناسب. ولا يقل عن ذلك أهمية تقييم مدى خطورة هؤلاء الأشخاص على أسرهم وعلى المجتمع، على الرغم من صعوبة التنبؤ بسلوكيات الإنسان اللاحقة. فالمؤسسات المتخصصة في الصحة النفسية والعقلية قليلة جدا مقارنة بالاحتياج والطلب على مثل هذه المؤسسات.
وبناء عليه، فإن الحاجة ماسة ليست إلى إجراء المسوحات فقط، وإنما إلى تنفيذ دراسات تطبيقية تسهم في دعم القرارات وصنع السياسات الوطنية التي تنمي الوعي بخطورة المشكلات النفسية، وتقدم الإرشادات الوقائية، وكذلك تعزز الخدمات العلاجية "النوعية" للمواطنين. ولا يقل عن ذلك أهمية النقص الشديد في الكفاءات المتخصصة في هذا المجال، ما يؤدي إلى كثرة شكاوى المواطنين من ضعف التعامل المهني مع الأشخاص الذين يعانون الأمراض النفسية وأسرهم، خاصة من يعانون الاكتئاب واضطرابات الإدمان وتعاطي المخدرات. هذا النقص عائد إلى قلة البرامج والأقسام العلمية المتخصصة في الإعداد العلمي لمهنيين متخصصين في الصحة النفسية، ما يشرع الباب واسعا أمام "كل من هب ودب" من الأكاديميين غير المتخصصين وغير المؤهلين في الصحة النفسية أو الأطباء الشعبيين والمشعوذين. بخلاف ذلك، العمل على تشجيع الناس على طلب الاستشارات النفسية. كما أن الحاجة كبيرة إلى تنظيم دورات وورش عمل للمهنيين والأفراد والأسر التي يعاني أحد أفرادها المشكلات النفسية، وزيادة الاهتمام بتقديم برامج توعوية وترفيهية وتعليمية للمرضى. إضافة إلى ذلك، لا بد من وجود برنامج وطني لتعزيز الصحة النفسية واستراتيجية خاصة بالصحة النفسية.

إنشرها