إتقان الاختفاء

|

تواجد لكن ليس كثيرا. توارً بعد أن تترك أثرا وتأثيرا.
الحضور الغزير كالغياب الطويل يجعلك خارج دائرة الاهتمام.
نخطئ أحيانا عندما نتوافر أكثر مما يجب. فيفقد الآخرون توق الاشتياق إلينا. يألفوننا أكثر مما ينبغي، ويخلو حضورنا من الدهشة.
كن مصدرا للترقب. لا تكن رتيبا. تأتي كروتين فلا تترك الفرصة لنا لنتعطش إلى لقائك. الظمأ ليس هو حاجتنا إلى الماء بل إليك.
الناس لا تحب من يتوافر كثيرا، ويكون اللقاء معه سهلا هينا يسيرا. الناس ترغب في أن تظفر بأشخاص صعب العثور عليهم والتواصل بهم. تبحث عن أشخاص تفوز بالعلاقة معهم.
الانتصار لا يجيء إلا بعد عناء وجهد ومكابدة. فكن صعبا لتبقى مفازا.
ابتعد عن الالتصاق. القرب الشديد يولد الاعتياد ومن ثم النفور. وما تعتاد عليه تسأم منه وتضجر. أرجوك؛ لا تبتذل ذاتك فتجعلها متاحة دائمة وفِي المتناول.
كن بعيدا، ولكن ليس بعيدا جدا. أحط نفسك بأسوار غير مرئية لا يخترقها أحد أبدا.
انتق من تتصل معه وتتواصل.
الجواهر الثمينة لا تسكن قارعة الطريق، بل تقطن البيوت الغالية الثمينة وسط حرص وعناية.
عندما يضمن الجميع وجودك، لن يتمسكوا بك. ستصبح جزءا معتادا لا يلفت الأنظار، ولا يقيم الأود أو يسد الجوع. ستكون كالفراغ الكل يدوسه ويركله دون أن يشعر بوجوده أو يتحسب لكبريائه.
ينبغي أن يصبح حضورك ارتواء. يسقي الأرواح ويطفئ الأوجاع.
الإغراق ليس مصطلحا تجاريا فحسب وإنما إنسانيا أيضا. لا تكثف حضورك فتهبط قيمتك ومكانتك.
الحضور الطاغي لا ينبع من الحضور الوفير، بل من الإتقان في الاختفاء. التوافر في الوقت المناسب والمكان المناسب.
اجعل من حضورك سعادة. من إطلالتك بهجة. أتقن غيابك وتفنن في حضورك.
الحضور الكثير غياب غفير. احذر منه وتجنبه وحاربه وقاتله.
أسوأ شيء يمكن أن يتعرض له المرء أن يصبح حضوره اعتياديا كلاسيكيا لا يثير لهفة ولا عطرا.
مرور وعبور لا رسوخ ولا بصمة.
اختر متى تأتي ومتى تذهب. لا تحضر كل المناسبات، لكن عندما تحضر بعضها املأها بعبقك وعمقك.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها